فلما أتى هارون الرشيد عاودته الفكرة، فروي في كتاب الحلية عن مالك بن أنس قال: «شاورني هارون الرشيد في أن يعلق الموطأ في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه، فقلت: لا تفعل، فإن أصحاب رسول الله اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان وكل مصيب.»
ولم يكن في هذه المحاولة تحقيق لكل فكرة ابن المقفع، فقد كان أكثر حرية مما قصد إليه المنصور والرشيد، ولكن كانت خطوة من الخطوات المرسومة لم تحقق! ولسنا نجزم أن هذه المحاولات نشأت عن تقرير ابن المقفع، فقد تكون تبلورا لفكرة عمر بن عبد العزيز في جمع الحديث؛ فقد كان يرى هذا الرأي، فبتقدم الزمان رؤي جمع الحديث وجعله قانونا. وقد تكون فكرة المنصور والرشيد نتيجة العاملين معا؛ فكرة جمع الحديث التي ارتآها عمر بن عبد العزيز، وفكرة تقنين القوانين التي ارتآها ابن المقفع، وهو الذي نميل إليه. •••
ثم انتقل بعد ذلك إلى تعطيف المنصور على أهل الشام، وقد كان العباسيون ينظرون إليهم نظرة عداء ومقت؛ لأنهم كانوا أعوان الأمويين وجندهم المطيع، فاعترف بأن أهل الشام يكرهون العباسيين، ولكن ينبغي ألا يؤاخذهم الخليفة بذلك، وألا يطمع منهم في المودة، فعداوتهم طبيعية؛ فقد كانت الدولة دولتهم والملك لهم، ولكن هذا لا يمنع الخليفة أن يصطنع خيارهم، فهؤلاء لا يلبثون أن ينفصلوا عن أصحابهم في الرأي والهوى، ويتبعهم غيرهم، فتتسع دائرة المحبة للعباسيين والتودد لهم. كما نصحه ألا يبخل بالمال عليهم، وأن ينفق عليهم ما جمع من بلادهم بعد استقطاع الحقوق العامة: «إنه إن فعل ذلك رجوت ألا يكون منهم نزوات ولا وثبات على الدولة، فإن فعلوا رجوت أن تكون الدائرة لأمير المؤمنين عليهم إلى آخر الدهر، وقد علمنا التاريخ أن الملك إذا خرج من قوم بقيت فيهم بقية يحنون إلى مجدهم القديم، فيثورون وتكون ثورتهم سبب استئصالهم وتدويخهم.»
بعد هذا تكلم في صحابة الخليفة، أو ما نسميه نحن الآن «بمعيته»، ورجال دولته والمقربين إليه، وقد كرر شكواه من أن هؤلاء كانوا قبل خلافة أمير المؤمنين عملوا أعمالا مفرطة القبح، مفسدة للحسب والنسب والسياسة، داعية للأشرار، طاردة للأخيار؛ ذلك أن الخليفة كان يقرب أوغاد الناس وسفلتهم، فهرب الخيار من التقرب للولاة، حتى إن قوما من صلحاء البصرة (وفيهم ابن المقفع) أتوا دار الخلافة أيام السفاح، فأبو أن يزوروا الخليفة، لما يعلمون من بطانته وسوء سيرتهم، وقد سمعنا الناس يقولون: «ما رأينا أعجوبة قط أعجب من هذه الصحابة، ممن لا ينتهي إلى أدب ذي نباهة، ولا حسب معروف، ثم هو مسخوط الرأي مشهور بالفجور.»
ونزعة ابن المقفع في اختيار الصحابة نزعة أرستقراطية فارسية؛ فهو يراعى في اختيار الصحابة من وزراء وكتاب وغيرهم أمرين: أمرا وجيها معقولا، وهو أن يكونوا ذوي رأي أمناء عدولا، ولكنه لا يشدد في هذا تشدده في الأمر الثاني، وهو أن يكونوا ذوي حسب ونسب، ويفزع كل الفزع أن يرى هؤلاء الصحابة (غير المعروفين بنسب) يؤذن لهم على الخليفة قبل كثير من أبناء المهاجرين والأنصار، وقبل قرابة أمير المؤمنين، وأهل بيوتات العرب. وهو يرى أن الخليفة لا يصح أن يقرب إليه ويجعل من خاصته إلا رجلا أتى بمكرمة عظيمة، أو رجلا له ميزة من قرابة أو حسن بلاء، أو رجلا له من الشرف وجودة الرأي والعمل ما يؤهله لذلك، أو رجلا ذا نجدة، ولكن يجب أن يجمع إلى نجدته حسبا وعفافا، أو رجلا فقيها مصلحا ينتفع الناس بفقهه وإصلاحه. فأما من يتخذون الشفاعات وسيلة للقرب من السلطان فيجب ألا تمكنهم شفاعاتهم من هذه المناصب، ثم إذا اختير الحائزون على الشروط التي ذكرنا، يجب أن يعين لكل منهم اختصاص في عمله لا يتعداه؛ فلا يكون للكاتب أمر في رفع رزق، ولا وضعه، ولا للحاجب في تقديم إذن ولا تأخيره.