ثم عرض ابن المقفع في تقريره إلى موضوع من أهم الموضوعات وأعمقها أثرا في حياة المسلمين، وهو «فوضى القضاء»، فوضى لا يرجع فيها إلى قانون معروف، وإنما هو متروك لرأي القضاة واجتهادهم، ونشأ من ذلك صدور الأحكام المتناقضة، حتى في البلدة الواحدة، فتستحل دماء وفروج وأموال في ناحية من نواحي الكوفة، وتحرم في ناحية أخرى تبعا لحكم القاضي، وكل ذلك نافذ على المسلمين. والقضاة نوعان؛ نوع يزعم أنه يلتزم السنة (يعني بذلك النص على العموم)، وقد تغالى فيما سماه سنة، فكثيرا ما يسفك دما من غير بينة ولا حجة، ويزعم أنه هو السنة، فإذا قيل له: إن مثل هذا الأمر لم يرق فيه دم في عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أو أئمة الهدى من بعده. قال: فعل ذلك عبد الملك بن مروان، أو أمير من بعض أولئك الأمراء. ونوع يزعم أنه من أهل الرأي فيبلغ به الاعتداد برأيه «أن يقول في الأمر الجسيم من أمر المسلمين قولا لا يوافقه عليه أحد، ثم لا يستوحش لانفراده بذلك، وإمضائه الحكم عليه، وهو مقر أنه رأي منه لا يحتج بكتاب ولا سنة.» هذه هي الفوضى كما شرحها ابن المقفع، ثم اقترح لها علاجا، وهو أن يرفع إلى أمير المؤمنين كل الأقضية والمسائل التي يحدث فيها الخلاف، ويذكر ما يحتج به كل فريق من المخالفين من نص أو رأي، فيعمد أمير المؤمنين إلى هذه الحجج والبراهين، ويختار ما يراه صوابا، ثم يدون ذلك في كتاب، وتعمل منه نسخ ترسل إلى الأمصار، ويلزم القضاة بالحكم به، فإذا جدت حوادث سير فيها هذا السير، ووجب على كل إمام يأتي بعد أن يدخل على هذا القانون ما يجد وما تدعو إليه الحاجة ، وهكذا إلى آخر الدهر.
ويرى «ابن المقفع» أن ولاة الأمور يجب أن يرجعوا في المسائل المختلف فيها إلى العدل ومصلحة الناس. وليس هناك ما يمنع من ذلك؛ لأن الأحكام المختلفة إما أن يكون اختلاف القضاة فيها ناشئا من استنادهم إلى سنن مأثورة مختلفة، وهذا الاختلاف في السنن دليل على أنها ليست مقبولة بإجماع، إما لسندها، وإما لأنها مجال لتأويلات مختلفة، وحينئذ يكون الرجوع إلى العدالة أولى، وإما أن يكون الاختلاف ناشئا من مراعاة القياس، وقد أفرط الفقهاء في مراعاة القياس الشكلي، والتزموا به، فوقعوا في ورطات، وأتى ابن المقفع بمثل يهزئ به قياسهم، فقال: لو أنك سألت أحدهم: أتأمرني أن أصدق، فلا أكذب كذبة أبدا؟ لكان جوابهم نعم، فلو سألت: ما تقول في رجل هارب أراد ظالم أن يقتله فسألني عن مكانه وأنا أعرفه؛ أأصدق أم لا؟ فلو ساروا على قياسهم الذي وضعوه لأجابوا بالتزام الصدق، مع أن المصلحة والعدالة في غير ذلك، ثم قرر مبدأ قيما، وهو أن القياس ليس إلا وسيلة لتحقيق العدالة، وطريقا من طرق الوصول إليه، فمتى رؤيت العدالة في غير القياس يجب أن يضحى بالقياس.
فمجمل رأي ابن المقفع في إصلاح القضاء: وضع قانون رسمي تجري عليه المملكة الإسلامية في جميع أنحائها، وهذا القانون يرجع فيه إلى ما يرشد إليه العقل في معنى العدالة. وهذا فيما عدا ما ورد فيه نص مجمع عليه من كتاب أو سنة، فأما ما ورد فيه نص مختلف فيه، أو ما كان مبنيا على قياس، فيجب أن يترك إلى ولاة الأمور، ينظرون فيه باعتبار واحد وهو المصلحة العامة. والفقهاء ليس لهم وضع قوانين، وإنما عليهم أن يجتهدوا في المسائل من الناحية العلمية النظرية، ثم يدلون بآرائهم إلى ولي الأمر، وهو المقنن وحده.
وهو رأي له قيمته ووجاهته، وهو يتفق في كثير من نواحيه والآراء الحديثة في التشريع، ولو عمل به المسلمون لكان له أثر كبير في الحالة الاجتماعية، وخاصة من الناحية القضائية. «ولم تذهب دعوة ابن المقفع سدى، فابن سعد في الطبقات يروي عن مالك بن أنس أنه قال: لما حج المنصور، قال لي: قد عزمت على أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوه إلى غيره، فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا؛ فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، ودانوا به فدع الناس، وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم.»