30 » ومن مشهوري العلماء من الأبناء: طاووس ابن كيسان، ووهب بن منبه التابعيان، غير أن هؤلاء الأبناء كانوا من أب فارسي وأم عربية يمنية. والمولدون في عصرنا العباسي كان أكثرهم من أب عربي وأم أعجمية. •••
وكما كان هناك «توليد» بين الأجسام، كان هناك توليد عقلي، فعقول الناس من الأمم المختلفة كان يتناوبها اللقاح، فالفارسي يحمل عقلا فارسيا، ثم يعتنق الإسلام، ويتعلم اللغة العربية، فينشأ مزيج من العقلين، تتولد منه أفكار جديدة، ومعان جديدة. واليوناني النصراني أو الرومي النصراني، أو العراقي اليهودي يخالط العربي المسلم، ويتبادلان الرأي والقصص والفكرة، فينشأ من ذلك فكر جديد، وهكذا، ومن ثم كان «الأدب العربي» بمعناه الواسع الذي يشمل كل ثقافة ليس في الحقيقة أدبا عربيا؛ وإنما هو «مزيج» طبع بالطابع العربي الإسلامي؛ فسمي أدبا عربيا. ولنذكر مثلا يوضح هذا: ذلك أننا نرى العرب في جاهليتها، أدبها أدب عربي بالمعنى الصحيح، وهو إن اقتبس شيئا مما حوله؛ فقد كان اقتباسه قليلا خفيفا. أما الروح الغالبة القوية فهي الروح العربية، فهو يمثل الحياة العربية أحسن تمثيل، ويصور حياتهم الاجتماعية أتم تصوير، فيه خيالهم، وفيه طريقة صيدهم، وفيه وصف حروبهم، ولهوهم، وجدهم، وبداوتهم. فإذا نحن طفرنا إلى العصر العباسي وجدنا الناس، وخاصة الفرس الذين دخلوا في الإسلام، وكانت لهم غلبة على مرافق الدولة لم يعودوا يتذوقون بذوقهم الفارسي الشعر العربي الجاهلي، وإنما يتذوقون ما ألفوا من التغني في شعرهم بالحب، والخمر. فظهر العباس بن الأحنف الخراساني البيئة، وأبو نواس الفارسي الأم؛ يشبعان ذوقهما. الأول: في عشقه، والثاني: في خمرياته. قد كان للعربي الجاهلي شعر في الحب، وشعر في الخمر. ولكن شتان بين خمريات طرفة؛ وخمريات أبي نواس، وشتان بين شوق امرئ القيس، وشوق العباس. ويعجبني في ذلك قول الجاحظ: كم بين قول امرئ القيس: «تقول وقد مال الغبيط بنا معا»، وبين قول علي بن الجهم:
سقى الله ليلا ضمنا بعد هجعة
وأدنى فؤادا من فؤاد معذب
فبتنا جميعا لو تراق زجاجة
من الراح فيما بيننا لم تسرب!
31
لم تكن الحضارة وحدها هي التي أنتجت هذا الفرق. ولكن كان من أكبر العوامل فيه: تزاوج الأجناس، وتزاوج الأفكار، كالذي كان في الشعر. فقد أخذ الفرس الوزن العربي، والقافية العربية، والأسلوب العربي، ولكن أخذوا بجانب ذلك الخيال الفارسي، والذوق الفارسي. انظر إلى القصيدة التي يقولها الخريمي: يذكر بغداد ويصف ما انتابها من الفتن أيام الخلاف بين الأمين والمأمون، والتي مطلعها: قالوا ولم يلعب الزمان ببغداد وتعبر به عوابرها!؟
32
تحس بنفس قصصي، ممتع طويل، لا عهد للعرب به من قبل. وانظر أنواع الحكم الهندية الفارسية العربية التي تجدها في أقوال ابن المقفع، وانظر القصص الذي في ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة. وانظر أنواع المقامات التي تجلت في عمل البديع والحريري. كل هذا وأمثاله: أنواع لا يعرفها العرب الخلص، وإنما كانت من غير شك نتيجة عملية التوليد التي أشرنا إليها. وما كانت تكون لو عاش العرب وحدهم، أو الفرس وحدهم. ومثل ذلك يقال فيما ظهر من أنواع العلوم المختلفة، التي سنوضحها في فصول تالية.
والخلاصة أن لقاح العقول أنتج مخلوقات جديدة؛ لها ميزاتها الخاصة. كما كان الشأن في توليد الأجسام. •••
وبعد: فمع هذه الاختلافات المتنوعة - التي أبنا - كانت هناك روح واحدة، ترفرف على العالم الإسلامي. هي روح شرقية، توحد بين أفرادها، مهما اختلفت أجناسهم وأنواعهم. هذه الروح هي التي أخضعت الفلسفة اليونانية لما دخلت في بلادها، فأسبغت عليها ثوبا من روحانيتها، وإلهاماتها. وهي التي جعلت علماء التاريخ والاجتماع يدركون خصائص مشتركة بين الشرق، تخالف تلك التي للغرب. روح ورثها الشرقي من أجيال، وساعد على تكوينها بيئاتهم الطبيعية، والاجتماعية، وجعلتهم يتذوقون غير ما يتذوقه الغربي، ويدركون الأشياء على غير النمط الغربي، كما جعلت لهم مدنيات؛ تخالف - من وجوه كثيرة - المدنيات الغربية. جاءت الأديان المختلفة من: بوذية، ويهودية، ونصرانية. فصبغت هذه الروح صبغة خاصة، صبغة لا مادية، تؤمن بإله فوق هذا العالم، وترجو جنة، وتخاف نارا، وترى أن وراء هذه السعادة الدنيوية والشهوات الجسمية سعادة أخرى روحية! فلما جاء الإسلام، ونشر سلطانه على الممالك الشرقية؛ زاد هذه الروح وقواها، وعمل في توحيدها، فقد كانت هذه الأمم المختلفة تخضع لقانون واحد، ولنظام في الحكم واحد، وتتكلم بلغة واحدة، ويدين أغلبها بدين واحد، ورحلات العلماء في منتهى القوة على صعوبة المواصلات، والرحالون يتبادلون الآراء والمعتقدات، ويدعون دعوات دينية وسياسية، والحكام يرسلون من مركز الخلافة مزودين بتعاليم واحدة في جوهرها.