تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مدح جند خراسان بأنه لم ير مثلهم في الإسلام، يمتازون عن غيرهم من الجند بالطاعة والعفاف والكف عن الفساد، والذل للولاة. ثم شكا من أمور: أولها أنه لا بد أن تنظم أفكارهم، ولا بد لذلك من أن يكون لهم دستور أو قانون، يحيط بكل شيء يجب أن يعرفوه، يبين لهم ما يفعلونه، وما يتجنبونه، يحفظه رؤساؤهم، ويقودون به عامتهم. فأما ترك الأمر من غير قانون، لا يعرفون به ما يجب وما يحرم؛ فداع إلى الفوضى. وشكا من أن هذا جر قوما إلى المغالاة في الأمر بالطاعة لأمير المؤمنين، ووجد في القواد من يقول: إن أمير المؤمنين لو أمر أن تستدبر القبلة بالصلاة لسمعنا وأطعنا! وهذا له أثر سيئ في النفوس، وقد ساقه هذا القول إلى بحث أوامر أمير المؤمنين وما يطاع منها، وما لا يطاع، وذكر المبدأ المشهور: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.» وقال: إن قوما فسروا هذا المبدأ تفسيرا معوجا. والذي رآه ابن المقفع أن الخليفة يطاع فيما لا يطاع فيه غيره، وبيان ذلك: أن هناك فرائض وحدودا بينها الله، وفي هذا لا يطاع أمير المؤمنين لو أمر أمرا يخالفها. وهناك أشياء كثيرة من شئون الناس لم يأت فيها نص، بل تركت لعقل الناس واجتهادهم، وهذه متى اجتهد فيها ولاة الأمر ورأوا فيها رأيا وجبت طاعتهم، وليس للناس في هذا إلا الإشارة عند المشورة، والإجابة عند الدعو ة، والنصيحة لهم. فرأي ابن المقفع إذن أن هناك نصوصا دينية يجب على الناس والولاة أن يطيعوها، وليس لولاة الأمر أن يخالفوا، وهناك مسائل كثيرة لم يرد فيها نص؛ كإعلان حرب، واسترداد جيش، وشروط صلح، وتنظيم أمور الدولة حسب الزمان والمكان، وهذه كذلك لا تترك فوضى ولكن للناس أن يشيروا بآرائهم، وعلى أولي الأمر أن يفكروا ويتدبروا، فإذا رأوا رأيا وجب على الناس إطاعته، وإن رأوا فيه نقصا أو عيبا أو خطأ نصحوا ولاة الأمور بآرائهم.

ثانيا:

مما نصح به أمير المؤمنين في شأن الجند؛ أن يحال بين الجنود وبين إدارة الشئون المالية. وقد دعاه إلى ذلك الرأي أن الخليفة كان يولي بعض قواده خراج بعض الأقطار، فيولي قائدا خراج مصر، وآخر خراج خراسان. وبذلك تصبح مالية هذا القطر في يده يحاسب الناس عليهما، ويحاسبه الوالي كذلك. وقد علل ابن المقفع رأيه هذا «بأن ولاية الخراج مفسدة للمقاتلة». وهو نظر صائب؛ فإن كثيرين من هؤلاء القواد اعتزوا بسلطانهم وجنودهم، فظلموا الناس، فلما أوخذوا على ظلمهم اعتزوا بما في أيديهم من مال، وما تحت طاعتهم من جند، فخرجوا على الدولة، وكانوا سببا لمصائب لا تحصى.

ثالثا:

مراعاة الكفاية في القيادة؛ فقد لفت نظر الخليفة في لطف إلى أن يعيد النظر في الرؤساء ومرءوسيهم؛ فكثير من المرءوسين أكفأ من رؤسائهم، فلو ولي القيادة خيارهم، ووضع الجند في منازلهم حسب كفايتهم، لكان من ذلك خير عظيم.

رابعا:

تثقيف الجند ثقافة علمية وخلقية؛ فيعنى بتعليمهم الكتابة والتفقه في الدين، كما يعنى بتعويدهم الأمانة والعفة والتواضع، واجتناب الترف في الزي والعطر واللباس، وما إلى ذلك.

خامسا:

تعيين وقت محدد للجند يقبضون فيه أرزاقهم، فإن ذلك أعطى لطمأنينتهم، وأمنع للشكوى والاستبطاء.

سادسا وأخيرا:

أن يتقصى أحوال الجند، ويعرف أخبارهم وحالاتهم، وباطن أمرهم حيث كانوا، وأن يعين لذلك الثقات الذين يخلصون له، ولا يكتمون عنه شيئا، وألا يستكثر ما ينفق في هذا السبيل، وإن عظم فإن في ذلك الحزم واستئصال الشر قبل استفحاله.

هذه خلاصة موجزة لوجوه الإصلاح التي اقترحها للجند.

ثم ذكر أمير المؤمنين بأهل العراق عامة، وأهل البصرة والكوفة خاصة، وأنهم أقرب الناس إلى أن يكونوا شيعته ومعينيه، ولأهل العراق من الفقه والعفاف والألباب والألسنة ما ليس في سواهم، ورجاه في العناية بهم والاعتماد عليهم، وقال: إنه أزري بأهل العراق؛ أن ولاة العراق فيما مضى كانوا أشرار الولاة، وأعوانهم كانوا أشرار الأعوان، فساءت سمعة العراق من أجل هذه الفئة الضالة، واستغل أهل الشام ذلك، فشنعوا على أهل العراق عامة بما صنعت هذه الفئة. ولما جاءت دولتكم لم تجد أمامها من أهل العراق إلا هؤلاء الظاهرين ممن لا يصح الاعتماد عليهم، فلو نحي هؤلاء وأمثالهم، واستقصي الناس وعرف أهل الفضل فأسندت الأمور إلى الأكفاء غير المتصنعين لظهر فضل العراق وأهله.

ضحى الإسلام · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٧٨