تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في الكتابين أثر كبير من الثقافة الفارسية؛ ففيهما حكم كثيرة من حكم الفرس، وفيهما بعض نظم الساسانيين في الحكم، وكثيرا ما يقول: «احفظ قول الحكيم»، و«قالت الحكماء»، وهو يقصد حكماء الفرس. وفيها بعض وصايا مأخذوذة من عهد أردشير، كالنظام المتعلق بولي العهد. وفيهما من حكم كليلة ودمنة، إلى غير ذلك. نعم، هناك أثر يوناني في هذه الحكم، مثل قوله: «إن العاقل ينظر فيما يؤذيه وفيما يسره، فيعلم أن أحق ذلك بالطلب إن كان مما يحب، وأحقه بالاتقاء إن كان مما يكره؛ أطوله وأدومه وأبقاه، فإذا هو قد أبصر فضل الآخرة على الدنيا، وفضل سرور المروءة على لذة الهوى، وفضل الرأي الجامع العام (الذي تصلح به الأنفس والأعقاب) على حاضر الرأي الذي يستمتع به قليلا ثم يضمحل، وفضل الأكلات على الأكلة، والساعات على الساعات.» فإنك تلمح في ثنايا هذا رأي أبيقور، وهو أنه يجب أن يراعي في تفضيل لذة على لذة الشدة والمدة، وتفضيل اللذائذ العقلية والروحية على اللذائذ البدنية ... إلخ. ولكن ابن المقفع إنما نقل عن الفرس، وإن كانوا قد تأثروا فيما تأثروا به بالمذاهب اليونانية. كذلك نلمح في بعض حكمه أشياء إسلامية، كقوله: «والدنيا دول، فما كان منها لك أتاك على ضعفك، وما كان عليك لم تدفعه بقوتك.» فهو قريب في لفظه من حديث مشهور، ونرى وجوه شبه عديدة في بعض الحكم بين ما ورد في كتب ابن المقفع، وما ورد عن الإمام علي في كتاب نهج البلاغة، ولكنا يعترينا الشك في كثير مما نسب في نهج البلاغة إلى الإمام علي، وقد أبنا ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب، ونرجح أنها نسبت إليه بعد ابن المقفع في عهد الشريف الرضي ومن قبله. فيمكننا أن نقول إن أغلب استمداد ابن المقفع في كتبه من الثقافة الفارسية، وقليل منها من الثقافة العربية الإسلامية. وأوضح دليل على ذلك: أن الروح الدينية في حكم ابن المقفع نادرة جدا، قل أن تلمسها، على عكس ما ينسب مثلا إلى الحسن البصري، وما صح من أقوال علي (رضى الله عنه)، فهي مغمورة بالشعور الديني الإسلامي، أما ابن المقفع فحكمه مستمدة من تجارب دنيوية، حتى ما يتصل منها بالدين.

رسالة الصحابة

ولابن المقفع رسالة سميت بالصحابة، وليس يعني صحابة رسول الله كما هو المشهور في استعمال الكلمة، وإنما عني صحابة الولاة والخلفاء، وهم من يقربهم الأمراء أو الخلفاء وينادمونهم، ويجعلونهم موضع السر منهم، ويستشيرونهم في أمورهم. وقد عرض في هذه الرسالة لهذا الموضوع، فسميت الرسالة به.

73

وللرسالة قيمة كبرى؛ فإنها تقرير في نقد نظام الحكم إذ ذاك، ووجوه إصلاحه، رفعه إلى أمير المؤمنين ولم يسمه، والظاهر أنه أبو جعفر المنصور؛ لأنه يذكر دولة بني العباس وقد استقرت، ويذكر أمير المؤمنين وقد أهلك الله عدوه وشفى غليله، ومكن له في الأرض، وآتاه خزائنها. ويذكر أبا العباس (السفاح) ويترحم عليه. وإذا علمنا أن ابن المقفع قتل في عهد المنصور صح لنا أن نستنتج من ذلك كله أن الرسالة إنما كتبت للمنصور.

بدأها بمدح أمير المؤمنين بأنه جمع إلى ما عنده من علم الرغبة في السؤال، والاستماع لنصيحة الناصح، وفي هذا ما يشجع ذا الرأي على أن يدلي برأيه.

ثم ذكر موضع الشكوى قبل أن يتولى أبو جعفر المنصور؛ فوال لا يهتم بالإصلاح، وإن اهتم به فليس له رأي يهديه، أو له رأي ولكن ليس له عزم يمضي به ما يبتغيه، وأعوان ليسوا على الخير بأعوان، ولهم من المكانة والنفوذ ما يمنع الخليفة من إقصائهم والنيل منهم، وأمة إن أخذت بالشدة حميت، وإن أخذت باللين طغت، وأبان أن أمير المؤمنين وفقه الله لمداواة هذه العيوب، واقتلاع هذه الشرور، ثم بدأ بتقريره الذي وضعه.

فأول:

ما بدأ به شرح حال «الجند». وإذا علمنا أن الدولة في عهد هذا التقرير دولة ناشئة، ولها أعداء كثيرون، وذوو أطماع عديدون، ثم هي واسعة الأطراف، مترامية الأنحاء، لا يخلو فيها يوم من فتنة؛ أدركنا ما للجند من عظيم شأن، وعرفنا السبب في أن جزءا كبيرا من التقرير كان يدور حول هذا الموضوع. وإذا كان عماد الجند هم الجند الخراسانية، وكانوا هم القائمين بحماية الدولة، وكانوا فرسا، وكان ابن المقفع فارسيا؛ كان محور كلامه الجند الخراسانية.

ضحى الإسلام · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٧٧