تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومثل «لا تعد الغنم غنما إذا ساق غرما، ولا الغرم غرما إذا ساق غنما، ولا تعتد من الحياة ما كان في فراق الأحبة ... إلخ.

ونلاحظ في الأدب الصغير أنه ليس - في كثير من مواضعه - ارتباط بين حكمه؛ فهي أشبه برجل أخذ يرصد تجارب مختلفة في حالات مختلفة، فكلما عثر على تجربة وضعها، وإن كانت إحدى التجارب اقتصادية، والأخرى دينية، والثالثة نفسية، أو كرجل يقرأ في كتب مختلفة، فكلما وجد كلمة أعجبته دونها، لذلك ترى كلمة في محاسبة النفس، وبجانبها كلمة في الصديق، ثم كلمة في معاملة الناس بحسب طبقاتهم، ثم في تعادي الرأي والهوى، ثم بعد كثير من الصفحات تجد كلمة أخرى في الصديق، قد كان يحسن أن تكون بجانب الأولى، وهكذا. ثم هو مختلف في طريقة التأليف؛ فأحيانا ينشئ الشيء من غير إسناد، وأحيانا يقول: وقالت الحكماء، وأحيانا تجد قبل الحكمة كلمة «وقال»؛ مما يدل على أنه لم يضعها هو في هذا الموضع.

أما الأدب الكبير، أو ما سماه الكتاب بالدرة اليتيمة، فكلمات كذلك، ولكنها في مجموعها أطول، وهي مرتبة غالبا، ألفت الكلمات المتعلقة بموضوع واحد في موضع واحد تقريبا، يدور أغلبها على موضعين، قد استوفي الكلام فيهما استيفاء حسنا؛ فأولهما: الكلام على السلطان والولاة، ومن يتصل بهما، وقد كان هذا الموضوع يشغل نفسه كثيرا، يتجلى ذلك في أكثر ما كتب، لأن حياته كانت متصلة به، فقد كتب للولاة، واتصل بهم، وصادقهم وعاداهم. وقد اتصل بالخلاف بين المنصور وأعمامه، وكان ركنا من أركان هذا الخلاف، ومحررا لوقائعه، ومستشارا في أمره، ومنغمسا فيه، وقارئا لمثل هذه الأحداث في سير الفرس، ومترجما لها، فلا عجب إذا أكثر الكتابة فيه، ولا عجب إذا أجاد، وقد جمع فيه مأثور الأولين، وتجارب الآخرين، إلى ما منحه الله من دقة نظر، وحسن أداء. وقد استغرق هذا الموضوع القسم الأول من الكتاب. والموضوع الثاني: الصداقة والصديق. وقد كان ابن المقفع يقدر هذا تقديرا دقيقا، ويرى في الأصدقاء عماد الحياة، ومرآة النفس، يفضي إليهم وحدهم ببنات صدره، ودخائل نفسه، ويضع عندهم وحدهم مكنونات سره، ويضع عنه مؤونة الحذر والتحفظ. أما غيرهم فليس لهم لباس آخر، لا يلقاهم إلا متحفظا متشددا متحرزا. ولأجل ذلك أثقل في شروط الصديق، ونصح بالدقة التامة في اختياره؛ «لأن ذا الرأي لا يدخل أحدا من نفسه هذا المدخل إلا بعد الاختبار والسبر، والثقة بصدق النصيحة، ووفاء العقل.» وتدل سيرته على أنه آمن بما كتب، ودان به، وسار في حياته على ما كتب من قوانين الصداقة؛ بذل دمه لصديقه عبد الحميد، وبذل ماله لأصدقائه بل لمعارفه، كما فعل مع سعيد بن سلم، ومثل ابن المقفع في علاقته الدقيقة بين الولاة والأمراء، وما يلاقي في سبيل ذلك من مشكلات وصعاب، وفي عقله البحاث، وانتقاله من دين إلى دين، وما يعرض عادة في ذلك من شكوك وارتياب، وفي نزعته إلى الإصلاح الاجتماعي، وما يرى حوله من عيوب تتصل أحيانا بالولاة وأحيانا بالخلفاء، ويرى أحيانا وجوب الجهر بالنصيحة، والإرشاد إلى مواطن الضعف وطرق العلاج؛ مثل ابن المقفع في هذه المواقف يحتاج إلى الصديق الذي يصفه، وإلى الشروط التي يشترطها له، يفضي إليه بدخائل نفسه، وفيما يرى من دولة تنهار ودولة تقام، وأسس توضع لا بد أن يشترك في وضعها، ويبين عيب القديم والحديث، وما يطمح إليه من إصلاح، وإليه يفزع في عوامل تضطرم في نفسه بين دين نشأ عليه، وتمكن في أعماق نفسه، ثم هو يريد أن يتخلى عنه إلى دين جديد له شعائر تخالف شعائر دينه القديم، وله تعاليم تتعارض مع ما ألف، هناك يتنازع العقل والشعور، وهناك تتحارب العواطف، وهناك يحار بين علم المنطق الذي ترجمه، والتقاليد التي ربي في أحضانها، فما أحوجه في كل ذلك إلى «الصديق»! وقد أشار فيما كتب إلى كل ذلك؛ أشار إلى العيوب الاجتماعية، وإلى ظلم الولاة في عصره، وإلى ما يلحق العامة، وإلى النزاع بين الدين والرأي، وقد جره الكلام في الصديق إلى الكلام في العدو، وكيف يكون داهيا في حربه ويخفي دهاءه. وكيف يعمل في هلاك عدوه أو البعد عنه، وفي جار السوء، وكيف يصبر عليه، وفي آخر الكتاب يعود إلى جمع حكم متفرقة لا يربطها موضوع.

ضحى الإسلام · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٧٦