تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

69

ويقول محمد بن سلام: «سمعت مشايخنا يقولون: لم يكن للعرب بعد الصحابة أذكى من الخليل بن أحمد ولا أجمع، ولا كان في العجم أذكى من ابن المقفع ولا أجمع.»

70

وقال جعفر بن يحيى: «عبد الحميد أصل، وسهل بن هارون فرع، وابن المقفع ثمر، وأحمد بن يوسف زهر.»

71

وستتبين غزارة معانيه، وقوة تفكيره مما يأتي.

آثاره الأدبية

ذكرنا فيما سبق ما ترجم من الفارسية إلى العربية، وما نقله منها ابن المقفع. والآن نذكر آثاره الباقية في أيدينا، ونتعرض لها بشيء من التحليل وهي: (1)

الأدب الصغير (2)

الأدب الكبير أو اليتيمة (3)

رسالة الصحابة (4)

كليلة ودمنة •••

الأدب الصغير والأدب الكبير:

كلمة الصغير والكبير وصف للكتاب، وقد شاع استعمال هذا التعبير في ذلك العصر، فقالوا كتاب الطبقات الكبير لابن سعد، وأحيانا يحذفون كلمة «كتاب»، ويبقون الوصف فيقولون «السير الكبير والسير الصغير لمحمد بن الحسن الشيباني»، ومن هذا الأدب الصغير والأدب الكبير؛ فليس الصغير والكبير وصفين للأدب، ولكن للكتاب المفهوم ضمنا.

والقارئ لعبارة ابن النديم يفهم أن الأدب الصغير والأدب الكبير غير كتاب اليتيمة؛ فهي كتب ثلاثة، ولكن كثيرا من الأدباء أطلقوا على الأدب الكبير اسم اليتيمة أو الدرة اليتيمة. كذلك يفهم من ابن النديم أن هذه الكتب الثلاثة ترجمها ابن المقفع، والمعروف بين الأدباء، والظاهر من تعبيراتهم أنه ألفها. ونحن نرجح أن الأدب الكبير ليس هو اليتيمة، وأنهما كتابان مختلفان لابن المقفع، ودليلنا على ذلك: (1)

أن ابن قتيبة في كتابه عيون الأخبار يورد هذين الاسمين في مواضع مختلفة، فيقول أحيانا: «قرأت في اليتيمة»، وأحيانا «في الأدب الكبير»، وما ينقله عن اليتيمة ليس موجودا في الذي بين أيدينا مما يسمى اليتيمة.

72 (2)

وردت فصول من اليتيمة في كتاب المنثور والمنظوم لابن طيفور، لا نجدها فيما بين أيدينا من الأدب الكبير الذي سمي اليتيمة. (3)

قال الباقلاني في إعجاز القرآن: «وقد ادعى قوم أن ابن المقفع عارض القرآن، وإنما فزعوا إلى الدرة اليتيمة، وهما كتابان أحدهما يتضمن حكما منقولة توجد عند حكماء كل أمة، والآخر في شيء من الديانات.» واليتيمة التي بين أيدينا ليس فيها فصول عن الديانات، فالراجح أن الذي بقي لنا هو الأدب الكبير، أطلق عليه خطأ اسم الدرة اليتيمة.

وأما المسألة الثانية، وهي: هل هما مؤلفان أو مترجمان؟ فنفس الكتابين يدلان على أن ابن المقفع لم يترجمهما حرفيا كما نفهم من معنى الترجمة، وإن كان اعتمد في كثير من المعاني على معاني الأقدمين. قال في الأدب الصغير: «قد وضعت في هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفا، فيها عون على عمارة القلوب وصقالها، وتجلية أبصارها، وإحياء للتفكير، وإقامة للتدبير، ودليل على محامد الأمور، ومكارم الأخلاق.» وقال في الأدب الكبير المسمى بالدرة اليتيمة: «إنا لم نجدهم (أي الأولين) غادروا شيئا، يجد واصف بليغ في صفته له مقالا لم يسبقوه إليه، لا في تعظيم الله عز وجل، وترغيب فيما عنده، ولا في تصغير للدنيا، وتزهيد فيها، ولا في تحرير صنوف العلم، وتقسيم أقسامها، وتجزئة أجزائها، وتوضيح سبلها، وتبيين مآخذها، ولا وفي وجوه الأدب وضروب الأخلاق؛ فلم يبق في جليل من الأمر لقائل بعدهم مقال، وقد بقيت أشياء من لطائف الأمور، فيها مواضع لصغار الفطن، مشتقة من جسام حكم الأولين وقولهم. ومن ذلك بعض ما أنا كاتب في كتابي هذا من أبواب الأدب التي يحتاج إليها الناس.»

وكلمة الأدب في الكتابين ليس معناها ما نستعمله الآن فيما يقابل العلم، وإنما يطلقها ابن المقفع على معنى تهذيب النفس والخلق.

والأدب الصغير عبارة عن كلمات حكيمة في الأخلاق، لا تحلل النفس والخلق تحليلا «دقيقا واسعا مستوفى، ولا تذكر الخلق فتبسط القول فيه، وتذكر وصفه، والسبيل إلى اكتسابه، فذلك بالعقل اليوناني أشبه، ولكنها عبارة عن جمل موجزة أشبه بالأمثال، وهي خطرات؛ نتيجة تجارب قد صيغت في إيجاز، وفي عبارة رشيقة رقيقة، مثل: «أربعة أشياء لا يستقل منها القليل: النار، والمرض، والعدو، والدين.»

ضحى الإسلام · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٧٥