63
فغاظ المنصور ذلك فأوعز بقتله.
ولم نجد للمؤرخين سببا آخر لقتله، إلا ما حكاه الجاحظ من أن ابن المقفع كان أغرى عبد الله بن علي بالمنصور، ففطن له وقتل،
64
وكان قتله سنة 142ه، أو 143 أو 145 على خلاف في ذلك.
65
نستطيع أن نستنتج من هذا نتيجتين هامتين:
الأولى:
أنه لم يقض من حياته في العصر العباسي إلا نحو عشر سنوات، أما بقية حياته فقد قضاها في العصر الأموي، وشهد اضطهاد العرب للموالي، وشاركهم في محنتهم وبؤسهم أيام الأمويين. ولم يكن مسلما يلطف دينه من كرهه للعرب كما كان شأن المتدينين؛ فلا بد أن يكون قد أفعم بكره العرب، وشاهد الدعوة العباسية، واشتراك الفرس فيها، وتمنى كما تمنوا أن يرفع عنهم نير الأمويين، وسر كما سروا باستيلاء العباسيين.
الثانية:
أنه نشأ مجوسيا زرادشتيا، وقضى زهرة شبابه في أحضان المجوسية، مثقفا بثقافتها، ولم يسلم إلا قبل قتله ببضع سنوات، بعد أن تكون ونضج، وتقلد الكتابة للكثيرين. وكان قبل إسلامه مستمسكا بدينه، فلما أراد أن يسلم قال له عيسى بن علي عم المنصور: ليكن ذلك بمحضر من القواد، ووجوه الناس، فإذا كان الغد فاحضر. ثم حضر طعام عيسى عشية ذلك اليوم، فجلس يأكل ويزمزم على عادة المجوس، فقال له عيسى: أتزمزم وأنت على عزم الإسلام؟ فقال أكره أن أبيت على غير دين. فلما أصبح أسلم على يده فسمي بعبد الله، وسنتعرض لهذا الموضوع عند الكلام في زندقته.
وابن المقفع من أقوى الشخصيات في عالم الأدب العربي، قوي في خلقه، قوي في عقله وسعة علمه، قوي في لسانه.
أما خلقه فنبل وكرم، وتعهد لذوي الحاجات يواسيهم، وتقدير دقيق للصداقة، ومراقبة شديدة لنفسه يحملها على الأجدر والأنبل، ورغبة شديدة في إصلاح الراعي والرعية خلقيا واجتماعيا، إلى ظرف الخاصة، والتمسك بآداب اللياقة، ومراعاة الدقة فيما يتطلبه الذوق.
نستنتج هذا مما قصه علينا المؤرخون، ومما نلمحه في كتبه التي بين أيدينا، قال سعيد بن سلم: قصدت الكوفة، فرأيت ابن المقفع فرحب بي، وقال: ما تصنع ههنا؟ فقلت: ركبني دين. فقال: هل رأيت أحدا؟ قلت: رأيت ابن شبرمة فوعدني أن أكون مربيا لبعض أولاد الخاصة. فقال: أف! أيجعلك مؤدبا في آخر عمرك؟! أين منزلك؟ فعرفته، فأتاني في اليوم الثاني، وأنا مشغول بقوم يقرءون علي، فوضع بين يدي منديلا فإذا فيه أسورة مكسورة، ودراهم متفرقة مقدار أربعة آلاف درهم، فأخذت ذلك ورجعت به إلى البصرة واستعنت به.
66
ويقول الجهشياري فيه: «كان سريا سخيا، يطعم الطعام، ويتسع على كل من احتاج إليه، وكان قد أفاد من الكتابة لداود بن عمر مالا، فكان يجري على جماعة من وجوه أهل البصرة والكوفة ما بين الخمسمائة إلى الألفين في كل شهر.»
67
ثم هو صديق لعبد الحميد الكاتب، فيطلب عبد الحميد ليقتل، وهو معه، فيقول الذين دخلوا عليهما: أيكما عبد الحميد؟ فيقول كل واحد منهما: «أنا»؛ خوفا على صاحبه، وخاف عبد الحميد أن يسرعوا إلى ابن المقفع فقال: «ترفقوا فإن في علامات، ووكلوا بنا بعضكم. ويمضي بعض يذكر تلك العلامات ففعل ذلك.»
68
وصفه الجاحظ فيقول: «كان جوادا فارسا جميلا، ويدعوه عيسى بن علي للغداء، فيقول: أعز الله الأمير! لست اليوم للكرام أكيلا. قال: ولم؟ قال: لأني مزكوم، والزكمة قبيحة الجوار، مانعة من عشرة الأحرار. ويعجب الناس بأدبه، فيسألونه: من أدبك؟ فيقول: نفسي! إذا رأيت من غيري حسنا أتيته، وإن رأيت قبيحا أبيته. ويدل الباقي من كتبه على باقي ما وصفنا من خلقه.
ثم هو واسع الاطلاع، مضطلع باللسانين العربي والفارسي، نقل خير ما رأى باللغة الفهلوية إلى اللسان العربي، وهو غزير المعاني إذا كتب، ليست كتابته جوفاء ككثير من كتابات الناس، يمعن في اختيار المعنى، ثم يمعن في اختيار اللفظ له. قالوا: «كان قلم ابن المقفع يقف، فقيل له في ذلك ، فقال: إن الكلام يزدحم في صدري، فيقف قلمي لتخيره.»