52
وهم مع هذا وذاك مثقفون ثقافة واسعة، وفي الغاية من العلم والأدب والفصاحة؛ يقول سهل بن هارون في وصف يحيى بن خالد البرمكي، وجعفر بن يحيى: «لو كان كلام يتصور درا، أو يحيله المنطق السري جوهرا لكان كلامهما والمنتقى من لفظهما!» ويحيى بن خالد ينشئ الكتاتيب للأيتام،
53
ويتحبب إلى الناس، ويحبب الناس أولاده، ويقول لولده: «لا بد لكم من كتاب وعمال وأعوان، فاستعينوا بالأشراف، وإياكم وسفلة الناس؛ فإن النعمة على الأشراف أبقى، وهي بهم أحسن، والمعروف عندهم أشهر، والشكر منهم أكثر.»
54
ما لقينا من جود «فضل بن يحيى»
ترك الناس كلهم شعراء
كان هؤلاء البرامكة وأمثالهم يعملون على نشر الثقافة الفارسية، فالفضل بن سهل الفارسي، الملقب فيما بعد بذي الرياستين، ينقل كتابا من الفارسية إلى العربية ليحيى البرمكي، فيعجب بفهمه وبجودة عبارته، فيدعوه يحيى إلى الإسلام لينال المناصب.
55
وهو بعد أن أصبح ذا الرياستين يبعث بمولاه، وبأحداث من أهله إلى شيخ بخراسان، ويقول لهم: تعلموا منه الحكمة، ثم يعرضون ما يعلمهم الشيخ على الفضل بن سهل، فيتبين فيها الأثر الفارسي.
56
وقد عرف عن البرامكة إيواؤهم لكثير ممن عرفوا بحرية الرأي، أو اتهموا بالزندقة، فكانت البرامكة تحسن إلى محمد بن الليث الخطيب، وتقدمه، وكان ممن يرمى بالزندقة.
57
وكان هشام بن الحكم الرافضي منقطعا إلى يحيى بن خالد البرمكي، وكان القيم بمجالس كلامه ونظره، وقد ألف كتبا كثيرة في الخلافة، ومسائل علم الكلام.
58
ومن الحق أن نذكر أن البرامكة لم يشجعوا الثقافة الفارسية وحدها، بل شجعوا كل ثقافة، فابن النديم يروي عند الكلام على كتاب المجسطي في الهيئة؛ أن أول من عني بتفسيره وإخراجه إلى العربية يحيى بن خالد بن برمك، ففسره له جماعة فلم يتقنوه، ولم يرض ذلك فندب لتفسيره أبا حسان، وسلما (صاحب بيت الحكمة) فأتقناه واجتهدا في تصحيحه.
59
كما أنه أمر بتفسير كتاب في الطب، لمنكه الهندي،
60
وبعث يحيى أيضا برجل إلى الهند ليأتيه بعقاقير موجودة في بلادهم، وأن يكتب له أديانهم، فكتب له هذا الكتاب.
61
فهؤلاء البرامكة، وإن عنوا بالثقافة الفارسية فقد عنوا بجانبها كذلك بالثقافة اليونانية والهندية والعربية.
والآن نستطيع أن نختار رجلا يمثل الثقافة الفارسية خير تمثيل، وليكن «ابن المقفع».
ابن المقفع
لسنا نريد أن نبحث في ابن المقفع بحثا تحليليا، في مولده وأسرته، ومناصبه التي تولاها، وعلاقته بالولاة والأمراء. ولا أن نبحث طويلا في مقدرته البلاغية وأسلوبه، وأثره في أسلوب عصره ومن أتى بعده، فذلك بالناحية الأدبية أشبه. وإنما نريد أن نبحث فيه من ناحية ثقافته الواسعة، وآثاره الخالدة، ومن ناحية أنه نتاج ثقافة فارسية عميقة واسعة، لقحت بعد بلقاح عربي، فكان من هذا وذاك أدب جم، مدين في أكثر معانيه للفرس، وفي أكثر ألفاظه وأساليبه للعربية. •••
ابن المقفع، فارسي الأصل، اسمه «روزبه بن داذويه». كان أبوه من قرية اسمها «جور»،
62
من إقليم فارس، ونشأ ابن المقفع بالبصرة في ولاء «آل الأهتم»، وهم معروفون بالفصاحة واللسن، وخالط الأعراب وأخذ عنهم، وكان أبوه يدين بمذهب زرادشت، ونشأ ابن المقفع كأبيه زرادشتيا، وتقلد الكتابة لكثيرين، فكتب ليزيد بن عمر بن هبيرة، وكان يزيد واليا على العراق لمروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، ثم كتب لأخيه داود بن عمر بن هبيرة، ثم اتصل بعيسى بن علي بن عبد الله بن عباس عم السفاح والمنصور، وكان إلى هذا العهد لا يزال مجوسيا، فأسلم على يديه وكتب له، ثم قتل لتشدده (على ما يقول كثير من المؤرخين) في كتابة صيغة الأمان التي وضعها ابن المقفع ليوقع عليها أبو جعفر المنصور أمانا لعبد الله بن علي، فأفرط ابن المقفع في الاحتياط فيها، حتى لا يجد المنصور منفذا فيها للإخلال بعهده،