تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

46 •••

وشيء آخر كان له أثر كبير في الثقافة الإسلامية؛ ذلك ما تنبه إليه ابن خلدون من «أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم، لا من العلوم الشرعية، ولا من العلوم العقلية.

47

إلا في القليل النادر، وإن كان منهم العربي في نسبته فهو عجمي في لغته ومرباه ومشيخته.»

48

ويعلل ذلك بأن العلوم من جملة الصناعات، والصناعات من خصائص الحضر، والعرب كانوا بدوا، فكانت العلوم من نتاج الحضر، والحضر في ذلك العهد هم العجم، ومن في معناهم من الموالي. ويقول: «فكان صاحب صناعة النحو سيبويه، والفارسي من بعده، والزجاج من بعدهما، وكلهم عجم في أنسابهم، وإنما ربوا في اللسان العربي فاكتسبوه بالمربي ومخالطة العرب، وصيروه قوانين وفنا لمن بعدهم. وكذا حملة الحديث الذين حفظوه عن أهل الإسلام أكثرهم عجم، أو مستعجمون باللغة والمربى، وكان علماء أصول الفقه كلهم عجما كما يعرف، وكذا حملة علم الكلام، وكذا أكثر المفسرين. ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم، وظهر مصداق قوله (

صلى الله عليه وسلم ): لو تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم من أهل فارس.»

49

ونحن نعتقد أن ابن خلدون مع دقة ملاحظته قد غالى فيها غلوا كبيرا، وبخس العرب نصيبهم في المشاركة؛ فلئن كان أبو حنيفة النعمان فارسيا فمالك والشافعي وأحمد بن حنبل عرب، ولئن كان سيبويه فارسيا فشيخه الخليل بن أحمد عربي. وليس كل علماء أصول الفقه عجما كما يقول؛ فواضعه وأول مؤلف فيه الشافعي وهو عربي، وغلو أن يدعى أن هؤلاء العلماء العرب هم عجم بالمربى، فإن المربى كان مزيجا من عرب وعجم.

ولكن مما لا شك فيه أن العجم - وخاصة الفرس - كانوا في جملتهم أقدر على التدوين والتأليف للسبب الذي ذكره ابن خلدون، وهو تعمقهم في الحضارة، ولأنهم مرنوا من قديم على التأليف بلغتهم هم وآباؤهم، فلما دخلوا في الإسلام وتعلموا العربية كان تأليفهم بالعربية سهلا يسيرا؛ لأنه ليس إلا احتذاء للمنهج، وإن اختلف الموضوع واللغة. إذن لا عجب من أن نرى في عصرنا الذي نؤرخه كثيرا من الفرس كانوا من السابقين الأولين في تدوين العلوم المختلفة.

فالإمام أبو حنيفة النعمان إمام المذهب، وحماد الراوية جامع المعلقات العشر، وراوي كثير من الشعراء، وسيبويه الإمام المقدم في النحو وتدوينه، والكسائي أحد الأئمة الأعلام في النحو واللغة والقراءات، وهو أحد القراء السبعة، والفراء أبرع الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة والغريب وأخبار العرب وأيامها، وذو النزعة الشعوبية أبو العتاهية شاعر الزهد، وابن قتيبة المؤرخ الأديب، صاحب التآليف الكثيرة ككتاب المعارف وعيون الأخبار، كل هؤلاء وغيرهم ممن لم نذكرهم كانوا فرسا، وكان لهم أثر كبير في الثقافة العربية الإسلامية.

قد كان وراء هذه الثقافة الفارسية، وهؤلاء العلماء الفرس قوى تحميها وتدفعها، هذه القوى ظاهرة أحيانا وخفية أحيانا، وتنطوي على نية خير أحيانا ونية سوء أحيانا، منهم من يريد خدمة العلم، والعمل على نشره، لا يريد بذلك إلا وجه الله والعلم، ومنهم من يريد أن يشيد بالقومية الفارسية، والحط من القومية العربية، بل منهم من يريد الكيد للإسلام وأهله. ومنهم من يرى أن الحكمة ضالة المؤمن ينشدها حيث وجدها، ويعمل على إذاعتها. ومنهم من ينشر شعوبية، ومنهم من ينشر زندقة، ومنهم من يغلو في التشيع لأهل البيت، وهو يضمر السوء للمسلمين. كل هذا الخير وكل هذا الشر كان في النزعات الفارسية، وسيأتي توضيح لبعض ذلك في أبوابه.

يقول الجاحظ في وصف الفرس: «واعلم أن هذه الأحاديث من أحاديث الفرس، وهم أصحاب نفخ وتزيد،

50

ولاسيما في كل شيء مما يدخل في باب العصبية، ويزيد في أقدار الأكاسرة.»

51

وقد كان من أعظم من يحمي الثقافة الفارسية، وينشرها «البرامكة» الفرس، وما لهم من مال وفير، وكرم واسع، يحقق رجاءهم، ويبسط نفوذهم، روى الجاحظ عن ثمامة، قال: كان أصحابنا يقولون: لم يكن يرى لجليس خالد «البرمكي» دار إلا وخالد بناها له، ولا ضيعة إلا وخالد ابتاعها له، ولا ولد إلا وخالد ابتاع أمه إن كانت أمة، أو أدى مهرها إن كانت حرة، ولا دابة إلا وخالد حمله عليها؛ إما من نتاجه، أو من غير نتاجه.»

ضحى الإسلام · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٧٢