كانت هذه القصة ترفع إلى الملك، أو من يليه تبعا لموضوعها، وتبعا للمتظلم وقدره، وقد جرت عادة الملوك والولاة من الفرس أن يوقعوا على هذه القصص بعبارة بليغة، أو حكمة حكيمة، يتخير لها أحسن اللفظ، وأجود المعنى، وتتناقل أثرا من الآثار القيمة، كما يتناقل المثل الجيد. وقد نقل إلى أدبنا العربي الشيء الكثير من توقيعات ملوك الفرس؛ من ذلك أن رجلا رفع إلى كسرى بنقباذ رقعة يخبره فيها أن جماعة من بطانته قد فسدت نياتهم، وخبثت ضمائرهم؛ منهم فلان وفلان، فوقع في أسفل كتابه: «إنما أملك ظاهر الأجسام لا النيات، وأحكم بالعدل لا بالهوى، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر.» ووقع أنوشروان في قصة محبوس: من ركب ما نهي عنه حيل ما بينه وبين ما يشتهي! ومدح رجل من الخاصة كسرى بنقباذ بمدح أطنب فيه وأسهب، وذهب كل مذهب، وكان المدح في رقعة فوقع فيها كسرى: «إني للمدح مستصغر؛ لعلمي بأشياء قد مدحت، وكانت بأن تذم محقوقة.» إلخ. ولما تحضر العرب، وانتشرت بينهم الكتابة، وحرروا مظالمهم على رقاع بعد أن كانوا يشافهون بها أمراءهم، كان لهم توقيع. وقد نقلت توقيعات في أيام الخلفاء الراشدين وبني أمية، أخشى أن يكون كثير منها كان شفهيا فحور إلى توقيع، ولكن قد سال سيل التوقيعات في عهد بني العباس، وكان أكثر الكتاب والوزراء فرسا فساروا فيها على سنن آبائهم، وكثر ذلك حتى أنشئوا فيما بعد ديوانا سموه «ديوان التوقيع».
هذا إلى أنه كان للفرس شعر كثير، وأمثال كثيرة، وأدب كثير، وضع تحت أعين العرب، قال أبو هلال العسكري في رسالته «التفضيل بين بلاغتي العرب والعجم»: «للفرس أشعار لا تضبط كثرة، ولليونانيين أشعار دون الفرس.» ويقول في موضع آخر: «سمعت أبا بكر بن دريد يقول: اجتمع في ديوان صالح بن عبد القدوس (وهو رجل من شعرائهم) ألف مثل للعرب، وألف مثل للعجم.»
40
وترجمت بعض أمثال العجم إلى العربية؛ مثل: عفو الملك أبقى للملك، خاطر من استغنى برأيه، الأسد يفترس الأرنب إذا أعياه العير، الفرار في وقته ظفر، امنع أخاك من أكل الخبيث فإن أبى فأعطه ملعقة، من أوقد نار الفتنة احترق بها، لا تستبعد غدا وما بعده، هو يطلب الثمر بلا شوك.
41
وكانت هذه المعاني الفارسية تسرق وتنظم أو تحتذى، يقول بزرجمهر: «إذا أقبلت عليك الدنيا فأنفق فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك فأنفق فإنها لا تبقى.» فيقول الشاعر:
فأنفق - إذا أنفقت - إن كنت موسرا
وأنفق - على ما خيلت - حين تعسر
فلا الجود يفني المال والجد مقبل
ولا البخل يبقي المال والجد مدبر
42
ويخطب أردشير لما استوثق له الملك، يحرض الناس على الألفة والطاعة، ويقوم بين يديه خطيب فيقول له: «قد أشرق علينا من ضياء نورك ما عمنا عموم ضياء الشمس، ووصل إلينا من عظيم رأفتك ما اتصل بأنفسنا اتصال النسيم، فجمعت الأيدي بعد افتراقها، والكلمة بعد اختلافها، وألفت بين القلوب بعد تباغضها، وأذهبت الإحن والحسائك بعد استعار نيرانها.» فيقول خالد بن صفوان مثل هذا المعنى يخاطب واليا: «قدمت فأعطيت كلا بقسطه من نظرك ومجلسك وصلاتك وعدلك، حتى كأنك من كل أحد، أو كأنك لست من أحد!».
43
وقيل لابن المقفع: لم لا تطلب الأمور العظام؟ فقال: رأيت المعالي مشوبة بالمكاره، فاقتصرت على الخمول ضنا بالعافية، فأخذه العتابي وقال:
دعيني تجئني ميتتي مطمئنة
ولم أتجشم هول تلك الموارد
فإن جسيمات الأمور مشوبة
بمستودعات في بطون الأساود
44
وينصح طاهر بن الحسين الفارسي ابنه عبد الله لما ولاه المأمون الرقة ومصر بكتابه المشهور، ويوصيه فيه بجميع ما يحتاج إليه في دولته من الآداب الدينية والخلقية والسياسة والشرعية والملوكية، فتلمح فيه شبها كبيرا بينه وبين ما نقل إلينا من عهد أردشير.
45
ويكتب أبو مسلم الخراساني للمنصور حين أمره بالقدوم عليه: «أما بعد، فإنه مما حفظناه من وصايا الفرس: أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء.»