من الحق أن نقول إن هذه النزعة إلى اللهو والترف لم تكن نزعة عامة شاملة للفرس، بل كان هناك نزعات أخرى بجانبها، أظهرها ما كان يقابلها من نزعة الزهد، وكان زعيم هذه النزعة في الأدب أبا العتاهية الفارسي أيضا.
قد كان قبل أبى العتاهية حياة زهد في الجاهلية، وفي العصر الإسلامي، وكان قبل أبي العتاهية شعر زاهد، ولكن أبا العتاهية أتى في هذا الباب بما لم يسبق إليه، وزاد في معانيه زيادة بشار وأبي نواس في أدب اللهو والمجون.
وأصح تعبير في ذلك أن نقول إنه فلسف الزهد، وملأ الأدب العربي في عصره بالموت والتخويف منه، ومما بعده، واحتقار اللذة، والجد في الهرب منها:
لدوا للموت وابنوا للخراب
فكلكم يصير إلى تباب
35
لمن نبني ونحن إلى تراب
نصير كما خلقنا من تراب؟
ألا ياموت لم أر منك بدا
أتيت وما تحيف وما تحابي! •••
طلبتك يا دنيا فأعذرت في الطلب
فما نلت إلا الهم والغم والنصب
فلما بدا لي أنني لست واصلا
إلى لذة إلا بأضعافها تعب
وأسرعت في ديني ولم أقض بغيتي
هربت بديني منك إن نفع الهرب
وشعر لجمهور الناس لا للخاصة، وقال: إن الزهد ليس من مذاهب الملوك، ولا من مذاهب رواة الشعر بها، ولا طلاب الغريب. وهو مذهب أشغف الناس به الزهاد، وأصحاب الحديث، والفقهاء، والعامة، وأعجب الأشياء إليهم ما فهموه.
36
وقال المبرد: «كان يخرج القول منه كمخرج النفس قوة وسهولة واقتدارا.»
وقد كان لشعره صبغة علمية دينية فلسفية، قال الصولي: «كان مذهب أبي العتاهية القول بالتوحيد، وأن الله خلق جوهرين متضادين لا من شيء، ثم إنه بنى العالم هذه البنية منهما، وأن العالم حديث العين والصنعة، لا محدث له إلا الله. وكان يزعم أن الله سيرد كل شيء إلى الجوهرين المتضادين قبل أن تفنى الأعيان جميعا، وكان يذهب إلى أن المعارف واقعة بقدر الفكر والاستدلال والبحث طباعا.
37
وكان يقول بالوعيد، وبتحريم المكاسب، يتشيع بمذهب الزيدية البترية المبتدعة لا ينتقص أحدا، ولا يرى مع ذلك الخروج على السلطان، كان مجبرا.»
38
وعلى الجملة فالشعر الديني الذي كان يحمل لواءه في ذلك العصر صالح بن عبد القدوس وأبو العتاهية؛ فيه نزعة ثنوية كان ينزعها الفرس قديما، وسنرى عند الكلام في التصوف أثر الفرس في حياة الزهد، ولكن يمكننا أن نقول الآن: إنه إن كان في نزعة بشار الإباحية عنصر مزدكي ففي نزعة أبي العتاهية الزاهدة عنصر مانوي.
وقد كان للفرس أثر كبير في الأدب غير هذا الذي ذكرناه؛ فقد كانت كتبهم في القصص التي نقلت من الفارسية إلى العربية (ككليلة ودمنة وهزار إفسانه) أساسا من الأسس التي بنت عليها الأجيال المتعاقبة ما بين أيدينا من قصص عربي، فابن النديم يروي أن محمد بن عبدوس الجهشياري صاحب كتاب الوزراء «ابتدأ بتأليف كتاب اختار فيه ألف سمر من أسمار العرب والعجم والروم، وغيرهم، كل جزء قائم بذاته لا يعلق بغيره، وأحضر المسامرين فأخذ عنهم أحسن ما يعرفون ويحسنون، واختار من الكتب المصنفة في الأسمار والخرافات ما يحلو بنفسه، وكان فاضلا فاجتمع له من ذلك أربعمائة ليلة وثمانون ليلة، كل ليلة سمر تام يحتوي على خمسين ورقة، وأقل وأكثر، ثم عاجلته المنية قبل استيفاء ما في نفسه من تتميمه ألف سمر.»
39
و ضرب آخر من الآداب كان للفرس فيه أثر كبير، وهو باب «التوقيعات»؛ ذلك أن الفرس قبل الإسلام كانوا يعنون بالبلاغة عناية كبرى، وكان لهم فيها تأليف كما حكى الجاحظ. وكان من أظهر عنايتهم بالبلاغة والحكم التوقيعات. قد كان الفرس ككل الشعوب، يرفعون إلى ولاة أمورهم أوراقا تتضمن طلبا لشيء، أو شكوى من شيء، نسميها نحن الآن «عرائض»، وكانت تسمى عند العرب «قصصا»، سميت كذلك على سبيل المجاز؛ لأن القصة اسم للمحكي في الورقة، فسميت الورقة نفسها «قصة»، وكانت تسمى كذلك رقاعا، لصغر حجمها تشبيها لها برقعة الثوب.