تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والفرس من قديم ميالون إلى الإفراط في الشراب، والإفراط في الغناء، حتى وصفهم «هيرودوت» بالإمعان في ذلك، والغلو فيه، وتصريفهم شئون الدولة وهم سكارى.

ويروي حمزة الأصفهاني أن «بهرام جور» أمر الناس أن يعملوا من كل يوم نصفه، ثم يستريحوا ويتوافروا على الأكل والشراب واللهو، وأن يشربوا على سماع الغناء؛ فعز المغنون ... ومر بقوم يشربون على غير ملهين (مغنين) فقال: أليس قد نهيتكم عن الغفلة عن الملاهي؟ فقالوا: طلبناه بزيادة على مائة درهم فلم نقدر عليه. فكتب إلى ملك الهند يستدعي منه ملهين، فبعث إليه اثنى عشر ألف رجل منهم، ففرقهم على بلدان مملكته فتناسلوا بها.»

فما إن قرت الدولة العباسية حتى عاد الفرس إلى سيرتهم الأولى، فملئوا الجو غناء ونبيذا ولهوا وترفا، ورأينا رجالهم في كل فن من هذه الفنون هم قادة الناس في ذ لك، فإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق ينشران اللهو الظريف والغناء الحلو، ويعلمان الجواري، ويقدمان للناس المثل في حياة السرف والإتلاف في تحصيل اللذائذ، وكانا مع حسن صوتهما (وخاصة إسحاق) عالمين أديبين شاعرين، وقد وضع إسحاق علم الموسيقى في الدولة العباسية، وألف فيه، وأولع الناس بغنائهما، وقلدوهما في فنهما ولهوهما، ولما مات إبراهيم رثاه الشعراء بما يدل على أثره فيهم، فمن قائل:

تولى الموصلي فقدت ولت

بشاشات المزاهر والقيان

وأي بشاشة بقيت فتبقى

حياة الموصلي على الزمان

ستبكيه المزاهر والملاهي

وتسعدهن عاتقة الدنان

31

ومن قائل:

ستبكيه أشراف الملوك إذا رأوا

محل التصابي قد خلا منه جانبه

ويبكيه أهل الظرف طرا كما بكى

عليه أمير المؤمنين وحاجبه!

ومن قائل:

أصبح اللهو تحت عفر التراب

ثاويا في محلة الأحباب

إذ ثوى الموصلي فانقرض اللهو

بخير الإخوان والأصحاب

بكت المسمعات حزنا عليه

وبكاه الهوى وصفو الشراب

وبكت آلة المجالس حتى

رحم العود دمعة المضراب

32

وبشار بن برد الفارسي كان إمام المحدثين، والفاتح لهم باب التهتك على مصراعيه، سار شعره في العراق فلا غزل ولا غزلة إلا يروي من شعره، ولا نائحة ولا مغنية إلا تتكسب به، ويأتيه النساء في بيته فيأخذن عنه شعره.

ويقول سوار بن عبد الله، ومالك بن دينار: «ما شيء أدعى لأهل هذه المدينة (البصرة) إلى الفسق من أشعار هذا الأعمى!» وكان واصل بن عطاء يقول:إن من أخدع حبائل الشيطان وأغواها لكلمات هذا الأعمى الملحد!»

33

ويقول بشار: «عسر النساء إلى مياسرة» فيشجع الفتيان على الإمعان في المغازلة والإلحاح في الطلب.

34

فلما فتح هذا الباب لج فيه من أتى على أثره، سواء في ذلك العربي والعجمي؛ كمطيع بن إياس، وأبي نواس. وكان لنا من هؤلاء جميعا أدب داعر، لا يتعفف عن العبث بالغلمان، ولا يكني عن فحش، إن ملح من ناحيته الفنية فالذوق النبيل لا يستسيغه.

نعم في الأدب الجاهلي خمر تراه في مثل شعر طرفة، وفحش تراه في مثل امرئ القيس: «تقول وقد مال الغبيط بنا معا»، و«ألا عم صباحا أيها الطلل البالي». وكان في الأدب الأموي خمر كالذي في شعر الأخطل، وكان غزل مكشوف كغزل عمر بن أبي ربيعة. ولكن أين هذا كله من شعر بشار وصريع الغواني ومطيع بن إياس، وأبي نواس! قد كان فجور الأولين ساذجا بسيطا في ألفاظه ومعانيه كمعيشتهم، وكان فجور الآخرين مركبا ممعنا في الوصف، شاملا لكل المظاهر، ومشاعر الشهوة، يتخير أقبح اللفظ لأقبح المعنى.

قد تقول: إن هذا نتيجة طبيعية لسير المدنية، فلما تقدمت بالناس حياتهم الاجتماعية، وما يتبعها من ترف، تقدم الشعر والأدب يسايران عيشة الترف والنعيم، فما للفرس ولهذا؟!

وقد يكون في هذا القول كثير من الصحة، ولكني أظن أن الأمر ما كان يصل إلى هذا الحد لولا الفرس؛ فهم الذين دفعوا الناس إلى حياة ترف ألفوها هم وآباؤهم عن عهد الأكاسرة، وعلموهم كيف يكون الإفراط في طلب الملاذ من طرق فنية أكسبتهم إياها حضارتهم القديمة، لا من طريق ساذج كالذي يعرفه العرب. هل كان يعرف العرب مجالس الغناء المتقنة، ومجالس الشراب المترفة، وحياة النعيم الناعمة لولا الفرس؟ فعظماء الفرس كالبرامكة وأمثالهم أرشدوا الناس إليها، وفنانوهم كإبراهيم الموصلي غنوهم عليها، وشعراؤهم كبشار بن برد كانوا لسانهم الناطق بها، المحدث عنها! ولو كانت الحياة الأموية امتدت وظلت السيادة العربية ما رأيت تشبيبا بغلمان، ولا هذا السيل الجارف من القيان، ولما رأيت نعيما وترفا وفيرا. ألم تر الشام ومصر والأندلس في هذا العصر نفسه؟ لم تنغمس في الترف كما انغمست العراق وفارس، ولم يكن أدبها أدبا ناعما داعرا كالذي كان في العراق. قد تكون كثرة المال يصب في حاضرة الخلافة سببا للترف في الحياة، والترف في الأدب، ولكن المال وحده لا يكفي لولا العنصر الفارسي الذي كان ينظم كيف يستخدم المال في هذه السبيل.

ضحى الإسلام · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٦٩