15
ومن أقوال العرب المشهورة: «الأمة تشترى بالعين وترد بالعيب، والحرة غل في عنق من صارت إليه!» وقالوا: «عجبت لمن لبس القصير؛ كيف يلبس الطويل! ولمن أحفى شعره؛ كيف أعفاه! وعجبا لمن عرف الإماء؛ كيف يقدم على الحرائر!»
16
وقد اشتهرت الأصقاع المختلفة بميلهم إلى أجناس مختلفة من النساء، بحكم الجوار، وبحكم ما كانوا يأسرون ويسترقون «من ذلك: أن أهل البصرة أشهى النساء عندهم؛ الهنديات وبنات الهنديات، والأغوار،
17
واليمن أشهى النساء عندهم؛ الحبشيات وبنات الحبشيات، وأهل الشام أشهى النساء عندهم؛ الروميات وبنات الروميات. وكل قوم فإنما يشتهون جلبهم وسبيهم إلا الشاذ، وليس على الشاذ قياس.»
18
من هذا الاختلاط الذي أبنا طرفا منه؛ نشأ جيل جديد يحمل ميزات خاصة، حتى بعض الخلفاء أنفسهم كانوا من هذا الصنف؛ «فالخيزران سبية هي من خرشنة،
19
ولدت موسى الهادي، وهارون الرشيد، ابني محمد المهدي.. وشاهسفرم
20
بنت فيروز بن يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز ولدت للوليد بن عبد الملك يزيد بن الوليد الناقص، وإبراهيم بن الوليد المخلوع.»
21
ومروان بن محمد؛ ابن أمة كردية
22
وأبو جعفر المنصور، أمه بربرية اسمها سلامة. والمأمون؛ أمه أمة تسمى مراجل. والمعتصم، أمه أمة تسمى ماردة. والواثق؛ أمه أمة تسمى قراطيس، والمتوكل؛ أمه أمة تسمى شجاع.
23
ومثل ذلك في العلماء، والشعراء. قال الأصمعي: «كان أكثر أهل المدينة يكرهون الإماء، حتى نشأ منهم علي بن الحسين، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، ففاقوا أهل المدينة فقها، وعلما، وورعا، فرغب الناس في السراري.»
24
خضع هذا الصنف من المولدين لقوانين «الوراثة»، فكسب من آبائه وأمهاته صفات خاصة، وكان صنفا ممتازا. والعرب من قديم آمنوا بأن الزواج بالأباعد خير من الزواج بالأقارب. وروي في الخبر: «اغتربوا لا تضووا.»
25
وقال الشاعر:
فتى لم تلده بنت عم قريبة
فيضوى، وقد يضوى رديد القرائب
وقال آخر:
أنذر من كان بعيد الهم،
تزويج أولاد بنات العم
فليس بناج من ضوى وسقم!
ورووا: «إن عمر نظر إلى قوم من قريش؛ صغار الأجسام. فقال: مالكم صغرتم؟ قالوا: قرب أمهاتنا من آبائنا. قال: صدقتم؛ اغتربوا. فتزوجوا في البعداء فأنجبوا!»
والواقع أيد هذه النظرية؛ فالمولدون في العصر العباسي كانوا من أظهر العناصر، ولهم ميزات مختلفة في أجسامهم، وعقولهم، وصناعاتهم؛ وذلك باختلاف أمهاتهم. يقول أحد القواد: «ما في الدنيا أحد أشجع من أبناء خراسان المولدين، ولا أفتك منهم!»
26
ويقول الأصمعي: «بنات العم أصبر، والغرائب أنجب، وما ضرب رءوس الأبطال كابن الأعجمية!» «وسئل بعضهم عن ولد الرومية. فقال: صلف، معجب، بخيل. قيل: فولد الصقلبية؟ قال: طفس، زنيم. قيل: فولد السوداء؟ قال: شجاع، سخي. قيل: فولد الصفراء؟ قال: هم أنجب أولادا، وألين أجسادا، وأطيب أفواها. قيل: فولد العربية؟ قال: أنف، حسود
27 ... إلخ. ويقول الجاحظ: «رأينا الخلاسي من الناس؛ وهو الذي يتخلق بين الحبشي، والبيضاء، والعادة من هذا التركيب أنه يخرج أعظم من أبويه، وأقوى من أصليه ومثمريه. ورأينا اليسري من الناس؛ وهو الذي يخلق من بين البيض، والهند، لا يخرج ذلك النتاج على مقدار ضخم الأبوين، وقوتهما، ولكنه يجيء أحسن وأملح»
28
ويقول في العلة في ميزة النصارى على اليهود في الشكل والعقل: «إن الإسرائيلي لا يزوج إلا الإسرائيلي، فكانت الغرائب لا تشوبهم، وفحولة الأجناس لا تضرب فيهم.»
29
إن شئت؛ فانظر في كتاب الأغاني، تجد أن أكثر من نبغ من المغنيات في الحجاز، ثم في العراق؛ في العصر الأول العباسي من «مولدات المدينة»، أو من تلاميذهن. ومولدات المدينة؛ نساء نتجن من آباء عرب، وأمهات من غير العرب، أو شئت فانظر إلى كثير من العلماء، والأدباء، وتحر أجناس آبائهم وأمهاتهم، تجدهم من المولدين. وقد رأيت شهرة مولدي خراسان، ومولدي الأعجام عامة؛ بالشجاعة. وقديما ظهر باليمن عنصر ممتاز سماهم العرب «الأبناء»، «وهم الذين أرسلهم كسرى مع سيف بن ذي يزن لما جاء يستنجده على الحبشة؛ فنصروه، وملكوا اليمن، وتدبروها وتزوجوا في العرب، فقيل لأولادهم الأبناء، وغلب عليهم هذا الاسم؛ لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم.