27
بل نرى قوما من العرب تعلموا الفارسية، ووجدوا فيها من الغذاء ما لم يجدوه في العربية، فعكفوا على كتبها يتدارسونها، ويمعنون في دراستها، ثم يخرجون بعد أدبا عربيا، فيه معاني الفرس، وبلاغة العرب، نذكر مثلا على ذلك «العتابي» الشاعر العباسي المشهور، وهو عربي من تغلب، اسمه كلثوم بن عمرو بن أيوب، تثقف بالثقافة الفارسية، وأعجب بها، يحدثنا طيفور فيقول: «قال يحيى بن الحسن: إني بالرقة بين يدي محمد بن طاهر بن الحسين على بركة، إذ دعوت بغلام له فكلمته بالفارسية، فدخل العتابي، وكان حاضرا في كلامنا، فتكلم معي بالفارسية، فقلت له: أبا عمرو، مالك وهذه الرطانة؟ قال: فقال لي: قدمت بلدتكم هذه ثلاث قدمات، وكتبت كتب العجم التي في الخزانة بمرو، وكانت الكتب سقطت إلى ما هناك مع يزدجرد، فهي قائمة إلى الساعة. فقال: كتبت منها حاجتي، ثم قدمت نيسابور وجزنها بعشر فراسخ إلى قرية يقال لها ذودر، فذكرت كتابا لم أقض حاجتي منه، فرجعت إلى مرو، فأقمت أشهرا. قال:قلت أبا عمرو لم كتبت كتب العجم؟ فقال لي : وهل المعاني إلا في كتب العجم والبلاغة، اللغة لنا، والمعاني لهم! ثم كان يذاكرني ويحدثني بالفارسية كثيرا.»
28
كان العتابي إذن مثقفا ثقافة فارسية، وأنت إذا قرأت شعره ونثره تبينت منه أنه كان أديبا ممتازا، غزير المعاني، على حين أن كثيرا من الشعراء أشعارهم جوفاء، تقرأ له مثلا في العقد الفريد قطعا نثرية غزرت معانيها، ودق أسلوبها، وتقرأ له شعرا مطبوعا في فنون مختلفة من فنون الشعر، فتشعر بروح غير مألوف، كأن يقول:
فلو كان للشكر شخص يبين
إذا ما تأمله الناظر
لمثلته لك حتى تراه
لتعلم أني امرؤ شاكر
فيفتن به الناس، ويتغنون به زمنا طويلا،
29
وهو الذي يقول:
ما جف للعينين بع
دك يا قرير العين مجرى
إن الصبابة لم تدع
مني سوى عظم مبرى
ومدامع عبرى على
كبد عليك الدهر حرى
وله حكم تشبه حكم ابن المقفع، كأن يقول: الأقلام مطايا الفطن. قريبك من قرب منك خيره، وابن عمك من عمك نفعه، وعشيرك من أحسن عشرتك، وأهدى الناس إلى مودتك من أهدى بره إليك. وكتب يوصي بشخص فقال: «موصل كتابي إليك أنا: فكن له أنا!» وعلى الجملة فالعتابي شخصية نادرة، لم تقدر قدرها اللائق بها، قليل اللفظ، غزير المعنى، يدل نثره وشعره على ثقافة واسعة، قد اجتمع له من الإجادة في النظم والنثر ما ندر أن يجتمع لغيره، وقد أدركنا سبب ذلك مما علمنا من ثقافته.
هؤلاء الفرس الذين تعربوا، وهؤلاء العرب الذين أخذوا بحظ من الثقافة الفارسية، ملئوا الدنيا في هذا العصر العباسي علما وحكمة وشعرا ونثرا، فيها العنصر الفارسي واضح جلي. ومن حظ العربية وقتذاك أنها سادت اللغة الفارسية وغلبتها على أمرها، فكان نتاج العقول الفارسية الراجحة إنما هو باللغة العربية لا الفارسية، شعر الشاعر منهم عربي كبشار، وأدب الأديب منهم كابن المقفع، وتأليف المؤلف منهم عربي كابن قتيبة والطبري ... إلخ.
ثالثا: أثر الثقافة الفارسية في الأدب العربي، وقد كان ذلك من جملة وجوه: (1)
أن الأدب في كل عصر ظل الحياة الاجتماعية، وقد كانت هذه الحياة ذات ألوان متعددة، أظهر لون فيها اللون الفارسي.
وبيان ذلك أن العادات الفارسية تغلغلت في الناس في ذلك العصر، وكان مظهرها واضحا جليا، فالناس يتخذون يوم النيروز عيدا لهم كالفرس قديما، والقضاة وعظماء الدولة يلبسون القلنسوة كالفرس، ومجالس الغناء واللهو والشراب هي مجالس الفرس. والفضل بن سهل وزير المأمون (وهو فارسي) يحتال حتى يقنع المأمون بتغيير السواد بالخضرة، ويكتب إلى جميع العمال أن يجعلوا أعلامهم وقلانسهم خضرا، والخضرة هي لباس كسرى والمجوس.
30
ونظام الحرب وإدارة الدولة اتبعت في أغلب الأحيان نظام الفرس في حروبهم وإدارتهم، إلى كثير من أمثال ذلك.