تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كذلك ترجم ابن المقفع عن الفارسية «كليلة ودمنة»، وكتاب «مزدك»، وهو يتضمن سيرة مزدك الزعيم الديني الفارسي المشهور، وكتاب «التاج في سيرة أنوشروان»، وكتاب «الأدب الكبير» و«الأدب الصغير»، وكتاب «اليتيمة».

19

وقد ذكر المسعودي أن ابن المقفع ترجم كتابا اسمه كتاب «الكيكيين» من الفارسية الأولى إلى العربية، وهذا الكتاب تعظمه الفرس لما قد تضمنه من خبر أسلافهم وسير ملوكهم.

20

وقد عني المترجمون فترجموا كتبا عديدة من تاريخ الفرس، يقول حمزة الأصبهاني: «اتفق لي ثمان نسخ من تاريخ الفرس، وهي كتاب سير ملوك الفرس من نقل ابن المقفع، وكتاب سير ملوك الفرس من نقل محمد بن الجهم البرمكي، وكتاب تاريخ ملوك الفرس المستخرج من خزانة المأمون، وكتاب سير ملوك الفرس من نقل زادويه بن شاهويه الأصفهاني، وكتاب سير ملوك الفرس من نقل أو جمع محمد بن بهرام بن مطيار الأصبهاني، وكتاب تاريخ ملوك بني ساسان من نقل أو جمع هشام بن قاسم الأصبهاني، وكتاب تاريخ ملوك بني ساسان من إصلاح بهرام بن مردانشاه موبذ «كورة شابور» من بلاد فارس، فلما اجتمعت لي هذه النسخ ضربت بعضها ببعض، حتى استوفيت منها حق هذا الباب.»

21

وقال المسعودي: «ورأيت بمدينة إصطخر من أرض فارس في سنة 303، عند بعض أهل البيوتات المشرفة من الفرس كتابا عظيما يشتمل على علوم كثيرة من علومهم، وأخبار ملوكهم وأبنيتهم وسياستهم، لم أجدها في شيء من كتب الفرس؛ كخداينامه، وكهنامه، وغيرها، مصور فيه ملوك فارس من آل ساسان سبعة وعشرون ملكا، منهم خمسة وعشرون رجلا وامرأتان.»

22

وترجم جبلة بن سالم «كتاب رستم واسفنديار»، و«كتاب بهرام شوس»، وهما في السير.

23

وقد ترجم من الكتب الدينية كتاب زرادشت المسمى «أفستا»، وما عليه من شروح، وينقل عنه حمزة الأصفهاني.

24

ويقول المسعودي: «كانوا يقولون إن رجلا بسجستان بعد الثلثمائة مستظهر يحفظ هذا الكتاب على الكمال.»

25

وفي الأدب ترجموا عن الفرس أشياء كثيرة، منها ما ذكرنا قبل من كليلة ودمنة، واليتيمة، والأدب الكبير والصغير، ومنها كتاب «هزار أفسانه»، ومعناه ألف خرافة، وهو أصل من أصول «ألف ليلة وليلة»، وكثير غيره من كتب القصص، ككتاب بوسفاس، وكتاب خرافة ونزهة، وكتاب الدب والثعلب، وكتاب روزبه اليتيم، وكتاب نمرود ... إلخ.

كما ترجموا في الأدب عهد أردشير، وهو محفوظ بالعربية إلى عهدنا، وكتاب موبذ موبذان، وكتاب أردشير في التدبير، وتوقيعات كسرى، وكتاب أدب الحرب ... إلخ.

26

هذا الذي ذكرنا كان ترجمة ونقلا منا للسان الفارسي إلى العربي، وشيء آخر لا يقل عنه شأنا، وهو: أنه كان هناك قوم أتقنوا اللغة الفارسية والعربية معا، فعكفوا على قراءة الكتب الفارسية يتثقفون بها، ويرقون أفكارهم وعقولهم، ثم هم يخرجون باللغة العربية أدبا وشعرا وعلما، وليس ما يخرجونه نقلا تاما لكلام فارسي، ولكنه منبعث عنه، ومتولد منه؛ كالعربي اليوم يتثقف ثقافة فرنسية أو إنجليزية أو ألمانية، ثم هو بعد ذلك يخرج أدبا جديدا بلغته العربية لا يسمى أدبا أوروبيا، ولكنه نتاجه ومتأثر به، وسائر على أثره.

كان كثير من الفرس على هذا النحو، حذقوا الفارسية والعربية، وتثقفوا الثقافتين، وأنتجوا في الأدب العربي نتاجا جديدا؛ كالفضل بن سهل، وسهل بن هارون، وابن المقفع، ويقول الجاحظ عن موسى بن سيار الأسواري (أحد القصاص): كان من أعاجيب الدنيا، كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية، وكان يجلس في مجلسه المشهور به، فيقعد العرب عن يمينه، والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله ويفسرها للعرب بالعربية، ثم يحول وجهه إلى الفرس فيفسره لهم بالفارسية. فلا يدرى بأي لسان هو أبين. واللغتان إذا التقتا في اللسان الواحد أدخلت كل واحدة منها الضيم على صاحبتها، إلا ما ذكروا من لسان موسى بن سيار الأسواري.»

ضحى الإسلام · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٦٧