تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14

ويقول الجاحظ: «ألا ترى أن أهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر علقوا بألفاظ من ألفاظهم، ولذلك يسمون البطيخ الخربز.» وكذا أهل الكوفة فإنهم يسمون المسحاة «بال»، و«بال» بالفارسية، وأهل البصرة إذا التقت أربعة طرق يسمونها مربعة، ويسميها أهل الكوفة «بالجهارسو»، والجهارسو فارسية، ويسمون السوق أو السويقة «وازار»، والوازار فارسية، ويسمون القثاء خيارا، والخيار فارسية ... إلخ.

15

من قديم تسربت ألفاظ فارسية إلى اللغة العربية، وكان ذلك بطريق التجارة أو الاختلاط، ولكنها تعد قليلة إذا قيست بالألفاظ التي دخلت في العصر العباسي للسبب الذي ذكرنا؛ وهو أن العرب كانوا أكثر شعورا بأسباب الحضارة في العصر العباسي، فكانوا أشد احتياجا للاقتباس من الفرس، ولأن اللغة العربية لم تعد ملكا للعرب وحدهم؛ بل كانت ملكا للعالم الإسلامي جميعه، والعالم الإسلامي لا يتعصب للغة العربية تعصب العرب؛ فهو يفسح صدره للغات الأخرى ما دعا داع إليها.

ثانيا: قد كان للفرس من قديم علم وأدب يتناسبان مع ضخامة ملكهم وعظم سلطانهم، فلما جاءت الدولة العباسية، وكثير من رعيتها فرس، لهم نزعة وطنية، وميول قومية، أخذ المثقفون ينقلون إلى العربية تراث آبائهم، وما حفظته العصور إلى عهدهم.

كانت لهم كتب في التنجيم والهندسة والجغرافية، وكانت تتوالى عليهم نكبات تذهب بكثير من كتبهم، ولكن كانت مدينتهم في حياة وعظمة، فكانت تسترد مجدها بتأليف كتب جديدة تساير عظمتهم. وأكبر نكبة عرتهم كانت بفتح الإسكندر الأكبر لبلادهم، وقد تلف في هذا الحرب كثير من خزائن كتبهم، فلما جاءت الساسانية (226-652م) استعادوا أدبهم وعلمهم. وأظهر ملوكهم في الميل إلى العلم، وتشجيع الترجمة والتأليف أردشير بابك (2260-241م)؛ فقد بعث في طلب الكتب من الهند والروم والصين، وكذلك كان الشأن في عهد ابنه سابور، وعهد كسرى أنوشروان.

وقد دامت الدولة الساسانية نحو أربعة قرون، خلفت فيها علما كثيرا، وأدبا وفيرا. وأكثر ما نقل إلينا في العصر العباسي (من الأدب والعلم، والأساطير والتاريخ) إنما يرجع إلى هذه الأسرة؛ قال حمزة الأصفهاني: «فأما تواريخ من كان قبل الساسانية من ملوك الأشغانية، فلم أشتغل بها للآفات المعترضة فيها (كانت) في أزمنة أولئك الملوك، وذلك أن الإسكندر لما استولى على أرض بابل وقهر أهلها، حسدهم على ما كان اجتمع لهم من العلوم التي لم تجمع قط لأمة من الأمم مثلها؛ فأحرق من كتبهم ما نالته يده، ثم قصد إلى قتل الموابذة والهرابذة والعلماء والحكماء، ومن كان يحفظ عليهم في أثناء

16

علومهم تواريخهم، حتى أتى على عامتهم، هذا بعد أن نقل ما احتاج إليه من علومهم إلى لسان اليونانيين.»

17

فلما نشطت الحركة العلمية في العصر العباسي أخذ طائفة ممن يجيدون اللسانين الفارسي والعربي ينقلون الكتب من الفارسية إلى العربية، وقد عقد ابن النديم في كتابه الفهرست فصلا لأسماء النقلة من الفارسي إلى العربي، ذكر منهم: (1) عبد الله بن المقفع (2) آل نوبخت (3) موسى ويوسف ابني خالد (4) أبا الحسن علي بن زياد التميمي (5) الحسن بن سهل (6) البلاذري (7) جبلة بن سالم (8) إسحاق بن يزيد (9) محمد بن الجهم البرمكي (10) هشام بن القاسم (11) موسى بن عيسى الكردي (12) زادويه ابن شاهويه الأصفهاني (13) محمد بن بهرام بن مطيار الأصفهاني (14) بهرام بن مردان شاه (15) عمر بن الفرخان.

18

وقد ترجم عبد الله بن المقفع «كتاب خداينامه»، وهو كتاب في تاريخ الفرس من أول نشأتهم إلى آخر أيامهم، وقد سماه ابن المقفع «تاريخ ملوك الفرس»، والظاهر أن الطبري اعتمد عليه في كتابه تاريخ الأمم والملوك عند كلامه على «الساسانيين»، وترجم كذلك كتاب «آبين نامه»، ومعنى الآبين النظم والعادات، والعرف والشرائع، فالكتاب وصف لنظم الفرس، وتقاليدهم وعرفهم، وقد ذكر المسعودي أنه كتاب كبير، يقع في آلاف من الصفحات.

ضحى الإسلام · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٦٦