12
السبب الثاني في نشر الثقافة الفارسية: انتقال عاصمة الخلافة من دمشق إلى العراق، وكان من أكبر بواعث العباسيين على هذا الانتقال أن دمشق كانت عاصمة الأمويين، وكانت ضلع الشام مع بني أمية من عهد الخلاف بين علي ومعاوية، وكان الشاميون هم الجند المخلص لبني أمية، وهم مثال الطاعة لدولهم، فمن حزم العباسيين ألا تكون عاصمة الدولة الجديدة بين الشاميين وتحت رحمتهم، وفوق ذلك فدمشق بعيدة جدا عن خراسان منبع الثورة، ومصدر الدعوة، وذخيرة العباسيين وعمادهم.
وسبب آخر؛ وهو: أن دمشق منتحية ناحية الغرب، وليست في الوسط، ولا قريبة من وسط المملكة التي تمتد من البحر الأبيض إلى الهند. والعراق يحقق هذه الأغراض؛ فبغداد قريبة من خراسان، قريبة من الشرق، بعيدة عن الروم، كثيرة الخيرات، صالحة لأن تكون نقطة اتصال بين الفرس والأمم السامية. وقد كره العباسيون أن يتخذوا البصرة أو الكوفة مقرا لهم؛ لأن تاريخهما - وخصوصا البصرة - سلسلة ثورات متصلة، ولأن فيهما عددا كبيرا يتشيع لعلي وأولاده، وهذا التشيع جرم يؤاخذ عليه العباسيون، كما كان يؤاخذ عليه الأمويون؛ لذلك اتخذ السفاح مدينة الهاشمية قرب الأنبار. فلما جاء أبو جعفر المنصور اختار موقع بغداد، وقد وفق في اختياره، فبجانبها الأراضي الخصبة بين دجلة والفرات، وهي كما قال بعض النصارى للمنصور: «يا أمير المؤمنين، تكون على الصراة بين دجلة مع الفرات، فإذا حاربك أحد كانت دجلة والفرات خنادق لمدينتك، ثم إن الميرة تأتيك في دجلة من ديار بكر تارة، ومن البحر والهند والصين والبصرة، وفي الفرات من الرقة والشام، وتجيئك الميرة أيضا من خراسان وبلاد العجم في نهر تامرا، وأنت يا أمير المؤمنين بين أنهارك لا يصل عدوك إليك إلا على جسر أو قنطرة، فإذاقطعت الجسر وأخربت القنطرة لم يصل إليك عدوك، وأنت متوسط للبصرة والكوفة، وواسط، والموصل، والسواد، وأنت قريب من البر والبحر والجبل.».
13
والذي يهمنا هنا أن بغداد كانت في العراق؛ حيث عواصم الممالك القديمة مثل بابل والمدائن.
لهذا كله أصبحت بغداد بعد قليل أهم مركز للحضارة والثقافة في المملكة الإسلامية، بل في العالم كله. ونحن إذا استثنينا أوقات الفتن والاضطرابات أمكننا أن نقول إنها ظلت في رقي واتساع وعظمة، إلى نهاية القرن الخامس الهجري.
كان لهذا الانتقال من الشام إلى العراق أثر كبير من الناحية العقلية؛ فقد كان يسكن العراق أمم مختلفة. وتداولت عليه دول خلفت فيه مدنيتها وثقافتها، وكان يسكنه قبيل الفتح الإسلامي بقايا من الأمم القديمة؛ مثل الكلدان والسريان ، وهم الذين يلقبون بالآراميين، وكان يسكنه العرب من إياد وربيعة، وكان يقيم به المناذرة الذين أسسوا ملك الحيرة، وكانت مدنية الفرس غالبة عليه؛ لأن آخر من حكمه قبل الإسلام هم الساسانيون من الفرس، وظل في أيديهم زمنا طويلا، إلى أن استولى عليه المسلمون في أيام عمر، وكانت فيه «المدائن» عاصمة الساسانيين. كل هذا جعل العراق أكثر ما يكون اصطباغا بالفارسية، فلما كان العباسيون وكان الفرس هم الذين أعانوهم، كان من هذا وذاك نفوذ للفرس عظيم في المناصب وفي الثقافة.
والآن نريد أن نبحث النواحي التي كان فيها للثقافة الفارسية أثر في الثقافة الإسلامية:
فأول ذلك الألفاظ اللغوية: ذلك أن العرب لما تحضروا بعد البداوة وجدوا أنفسهم أمام أشياء كثيرة، ليس في ألفاظهم ما يدل عليها، وكان ذلك في جميع مرافق الحياة، من أدوات الزينة، وأنواع المأكل والملبس، وآلات الغناء، والدواوين ونظامها ونحو ذلك، فسلكوا خير طريق يسلك لذلك؛ وهو: أن يتوسعوا في مداولات الكلمات العربية أحيانا، ويأخذوا الكلمات الأجنبية كما هي أحيانا، ومصقولة بما يتفق ولسانهم أحيانا. وكانت اللغة الفارسية منبعا كبيرا من المنابع التي تستمد منها اللغة العربية، وتوسع به مادتها، حكى الصولي قال: «حدثنا علي بن الصباح، قال: سمعت الحسن بن رجاء يقول: ناظر فارسي عربيا بين يدي يحيى بن خالد البرمكي فقال الفارسي: ما احتجنا إليكم قط في عمل ولا تسمية، ولقد ملكتم فما استغنيتم عنا في أعمالكم ولا لغتكم، حتى طبيخكم وأشربتكم ودواوينكم، وما فيها على ما سمينا، ما غيرتموه، كالإسفيداج والسكباج، والدوغباج، وأمثاله كثيرة، وكالسكنجين والخلنجين والجلاب، وأمثاله كثيرة، وكالروزنامج، والأسكدار والفراونك، وإن كان روميا، ومثله كثير، فسكت عنه العربي، فقال له يحيى بن خالد قل له: اصبر لنا نملك كما ملكتم ألف سنة، بعد ألف سنة كانت قبلها لا نحتاج إليكم، ولا إلى شيء كان لكم!».