فأول ما نعرفه من ذلك «أدب الكاتب لابن قتيبة»؛ فقد حمله على تأليفه كما ذكر في مقدمته:أنه رأى طائفة من الكتاب «قد شغفت بالنظر في النجوم والمنطق والفلسفة، وعرفت الكون والفساد. وسمع الكيان والكيفية والكمية، والجوهر والعرض، ورأس الخط النقطة، والنقطة لا تنقسم ... إلخ». وأهملوا النظر في اللغة وما إليها، فوضع لهم كتابه في ذلك؛ فهو خاص بما يلزم الكاتب من لغة ونحو وصرف وإملاء. وألف بعده أبو بكر الصولي كتابه «أدب الكتاب»، فغمز ابن قتيبة بالتقصير في كتابه، وتوسع هو في مسائل لم يتعرض لها ابن قتيبة، فتكلم في حسن الخط وقبحه، والدواة والقلم وما إليهما، وترتيب الكتاب وطيه، والدعاء في المكاتبات، والدواوين وتحويلها إلى العربية، ووجوه الأموال التي تحمل إلى بيت المال، وشيء من قواعد الإملاء. وألف ابن درستويه المتوفي سنة 346 كتاب «الكتاب»، وأكثره في قواعد الإملاء، وفي آخره باب في افتتاح الكتاب، وفي التأريخ، وما يذكر منه وما يؤنث، وما يفرد ويجمع، ثم في بري القلم وسنه وقطه، والدواة وما إليها ... إلخ، وتوسع من جاء بعدهم من المؤلفين للكتاب، حتى ختمت بكتاب «صبح الأعشى في صناعة الإنشاء»، فتعرض فيه تقريبا لكل المعلومات البشرية في عصره، من تاريخ وجغرافيا وفلك، وما يحتاج إليه الكاتب عمليا في صناعته من خط ونحوه، ومصطلح المكاتبات، وكيفية العقود، والبريد، ومطارات حمام الرسائل، والمنارات ... إلخ.
فترى من هذا كيف كان المؤلفون يعنون بهذه الطبقة من الناس، وكيف كانوا يتطلبون منهم المعارف الواسعة في الموضوعات المختلفة، وأن هذه الطبقة كانت تمتاز عن بقية العلماء بالثقافة العامة.
بل يظهر لي أن هذا الموقف هو الذي جعل الناس يقولون إن الأدب هو الأخذ من كل شيء بطرف؛ فقد نرى أن كلمة الأدب في صدر الإسلام كانت تطلق على التهذيب الخلقي، ثم كانت تطلق على العلم باللغة والشعر، وأيام العرب وتاريخها وما إلى ذلك. واستعملت بهذا المعنى في العهد الأموي. فلما جاء هؤلاء الكتاب واتسعت الثقافة، وصاروا يتطلبون من الكاتب أن يعرف الثقافة العربية والفارسية اتسع معنى الأدب، وقالوا: «إن الأدب الأخذ من كل شيء بطرف».
بل جعلوه يشمل معرفة شيء من الألعاب، قال الحسن بن سهل (وهو أحد الوزراء والكتاب في عصرنا العباسي): «الآداب عشرة: فثلاثة شهرجانية وثلاثة أنوشروانية، وثلاثة عربية، وواحدة أربت عليهن؛ فأما الشهرجانية فضرب العود، ولعب الشطرنج، ولعب الصوالج. وأما النوشروانية فالطب، والهندسة، والفروسية، وأما العربية فالشعر، والنسب، وأيام الناس. وأما الواحدة التي أربت عليهن فمقطعات الحديث والسمر وما يتلقاه الناس في المجالس.
11
بل يظهر لي أيضا أن هذا كان أحد الأسباب في فوضى الكتب الأدبية المؤلفة في ذلك العصر؛ كالبيان والتبيين، والكامل، وعيون الأخبار، فقد قصدوا فيها إلى جمع ما يفيد، وتكويمه بعضه فوق بعض، فاهمين الأدب بمعناه الواسع الذي ذكرنا، فحكمة بجانبها بيتان من الغزل، إلى نادرة لطيفة، إلى خطبة بليغة، إلى قصص في البخل، إلى أخبار الخوارج.
والجاحظ (في كتابه الحيوان) تكلم في الخصاء بعد كلامه في فائدة الكتاب، إلى غير ذلك؛ لأن الغرض عندهم أن يلم الأديب من كل شيء بطرف، ثم جاءت الكتب الأخرى بعدها تحذو حذوها، وتفرق مجتمعا، وتجمع متفرقا، وتزيد ما استحدث من الطرف الأدبية.
هؤلاء الوزراء والكتاب نشروا الثقافة العامة، وضموا إلى الآداب العربية الآداب الفارسية، فأصبح ما يتطلبه الأدب أن تعرف حكم بزرجمهر كما تعرف حكم أكثم بن صيفي، وتعر ف تاريخ الفرس كما تعرف تاريخ العرب، وتعرف أقوال كسرى وسابور وأبرويز، وموبذ موبذان، كما تعرف أقوال الخلفاء الراشدين والأمويين، فقد جاء في نصيحة عبد الحميد الكاتب إلى الكتاب: فنافسوا معشر الكتاب في صنوف العلم والأدب، وتفقهوا في الدين، وابدءوا بعلم كتاب الله عز وجل والفرائض، ثم العربية؛ فإنها ثقاف ألسنتكم، وأجيدوا الخط فإنه حلية كتبكم، وارووا الأشعار، واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم، وأحاديثها وسيرها؛ فإن ذلك معين لكم على ما تسمون إليه بهممكم، ولا يضعفن نظركم في الحساب، فإنه قوام كتاب الخراج منكم.» وقال الرشيد للكسائي معلم أولاده: «يا علي بن حمزة، قد أحللناك المحل الذي لم تكن تبلغه همتك، فرونا من الأشعار أعفها، ومن الأحاديث أجمعها لمحاسن الأخلاق، وذاكرنا بآداب الفرس والهند، ولا تسرع علينا الرد في ملأ، ولا تترك تثقيفا في خلاء.».