وهذه القدرة الكتابية التي كان يشترطها الخلفاء في الوزير، كانت من أكبر الأسباب في قصر الوزارة على الفرس غالبا؛ فالعرب كانوا أهل فصاحة لسانية أكثر منهم أهل بلاغة كتابية، ولعل هذا هو السبب في أنهم وضعوا للفصاحة كلمة مشتقة من اللسان، فقالوا:رجل لسن إذا كان ذا بيان وفصاحة، ولم يشتقوا مثل ذلك من الكتابة.
والحق أن القدرة الكتابية كانت عند الفرس أبين منها عند العرب، وحتى في الدولة الأموية كان أظهر الكتاب الفنيين من الفرس، أمثال عبد الحميد الكاتب، وسالم مولى هشام. وكان العربي يفخر بالسيف واللسان لا بالقلم، قال يزيد بن معاوية يعدد فضل بيته على زياد بن أبيه: «لقد نقلناك من ولاء ثقيف إلى عز قريش، ومن عبيد إلى أبي سفيان، ومن القلم إلى المنابر.» ولم تزل العرب تفضل السيف على القلم، وفي ذلك يقول سليط بن جرير النمري:
أتحقرني ولست لذاك أهلا
وتدني الأصغرين من الخوان؟
جهابذة وكتابا وليسوا
بفرسان الكريهة والطعان
ستعرفني وتذكرني إذا ما
تلاقى الحلقتان من البطان
5
هؤلاء الوزراء كان لهم (من هذه الناحية التي تعنينا الآن وهي ناحية أنهم أرباب أقلام) أعوان يسمون الكتاب، فقد كان لكل وزير كاتب، بل كتاب يعينونه، ولولاة الأقاليم ورجال الدولة كتاب؛ فكان حماد عجرد مثلا كاتبا ليحيى بن محمد بن صول بالموصل، وكان ابن المقفع يكتب لداود بن عمر بن هبيرة والي كرمان،
6
وكان عمرو بن مسعدة يكتب للمأمون، وكان الحسن بن عيسى يكتب لعمرو بن مسعدة، وكان يكتب ليحيى بن خالد البرمكي عبد الله بن سوار بن ميمون، وهكذا.
وكانت هذه الطائفة (طائفة الكتاب) تؤلف وحدة على رأسها الوزير، بل تتدرج في الرقي إلى الوزارة، معتمدة على كفايتها وبلاغتها، فقد وقع عمرو بن مسعدة على ورقة رفعت إلى جعفر بن يحيى، فأعجب جعفر بتوقيع عمرو، فضرب يحيى بيده على ظهر عمرو، وقال: «أي وزير في جلدك!»
7
وكان بين أفراد هذه الكتلة صلات، ولو لم يتعارفوا، «حضر ديوان الخراج في أيام الرشيد شيخ من قدماء الكتاب، ومعه توقيع من الرشيد بقضاء دين عليه، فعني الكتاب به، وزجوا كتابه، فقال لهم:احفظوا عني ثلاثا؛ الجوار نسب، والمودة نسب، والصناعة نسب.»
8
وقبل ذلك كانت نصيحة عبد الحميد الكاتب لمعشر الكتاب دليلا على أنهم كانوا يؤلفون وحدة في آخر عهد الدولة الأموية.
كان أكثر هؤلاء الكتاب فرسا كالوزراء، يحتذون حذو أجدادهم من الفرس، حتى في مظاهرهم الخارجية، يروي الجهشياري: «أن الفضل بن سهل بن زاذا نفروخ (ذا الرياستين) كان يجلس على كرسي مجنح، ويحمل فيه إذا أراد الدخول على المأمون، فلا يزال يحمل حتى تقع عين المأمون عليه، فإذا وقعت وضع الكرسي، ونزل عنه فمشى، وحمل الكرسي حتى يوضع بين يدي المأمون، ثم يسلم ذو الرياستين، ويعود فيقعد عليه. وإنما ذهب ذو الرياستين في ذلك إلى مذهب الأكاسرة، فإن وزيرا من وزرائها كان يحمل في مثل ذلك الكرسي، ويقعد بين أيديها عليه، ويتولى حمله اثنا عشر رجلا من أولاد الملوك.»
9
بل إن تكون الكتاب كطبقة، ليس إلا تقليدا للنظام الفارسي، فالجهشياري يقول: «كان من رسم ملوك الفرس أن يلبس أهل كل طبقة ممن في خدمتهم لبسة لا يلبسها أحد ممن في غير تلك الطبقة، فإذا وصل الرجل إلى الملك عرف بلبسته صناعته والطبقة التي هو فيها، فكان الكتاب في الحضر يلبسون لبستهم المعهودة، وكانت ملوك الفرس تسمي كتاب الرسائل تراجمة الملوك.»
10
كان لهؤلاء الكتاب أثر كبير في نشر نوع من الثقافة خاص، ذلك أن ثقافتهم كانت أوسع من ثقافة غيرهم، وكانت معارفهم ودائرة اطلاعهم واسعة شاملة؛ لأنهم بحكم مناصبهم مضطرون أن يعرفوا أحوال الناس الاجتماعية وتقاليدهم، وأن يعرفوا من اللغة والأدب وعلوم الدين والفلسفة والجغرافيا والتاريخ طرفا؛ لأن كثيرا من مواقفهم يحتاج إلى ذلك، وقدت عرض للخليفة أو الوالي مسائل من هذا القبيل، يضطر الكاتب إزاءها أن يكون ملما بجميع ذلك؛ إذ هم الذين كانوا يعرضون على الخلفاء ما يرد عليهم، ويحررون ما يصدر منهم. ويتضح ذلك إذا نحن قارنا بين معارف الكاتب، ومعرفة المحدث أو الفقيه في ذلك العصر، فالمحدث أو الفقيه معارفه محدودة، ودائرة حول فنه، فإن توسع في شيء فإنما يتوسع في المسائل التي تعد وسائل لفنه؛ كاللغة والنحو والصرف. أما الكاتب فدائرته أوسع من ذلك، وحسبنا دليلا على هذا ما ألف للكاتب من الكتب: