9
كذلك كان في كل أمة من هذه الأمم طوائف مختلفة لها شعائر، وعادات خاصة؛ فمنهم يهود حافظوا على تقاليدهم، وحرموا التزاوج إلا منهم، ونصارى تمسكوا بشعائرهم وعاداتهم، ومجوس يقيمون هياكلهم، ويوقدون نيرانهم.
كما نجد خلافات في الآداب، ففرس لهم أدب هو نتيجة تاريخهم، وحياتهم الاجتماعية، وعراقيون لهم آداب قديمة ورثوها مما اعتورهم من الدول، ومصريون لهم أدب كذلك، وأدب هندي، وأدب شامي، وأدب يوناني روماني.
دع عنك الاختلافات الإقليمية؛ فأمة تعيش في جبل، وأخرى في سهل، وجو بارد شديد البرودة، وحار شديد الحرارة، وأمة ساحلية، وأمة صحراوية. وما يستتبع ذلك من خلاف بين الأمم في العادات، والطبيعة، والمزاج.
كل هذه الاختلافات التي لم نذكر منها إلا أمثلة قليلة؛ كانت تكون المملكة الإسلامية في العصر العباسي الأول، وكانت ساحتها وعاء تصهر فيه هذه المواد المختلفة، وتتفاعل فيه كما تتفاعل الأجسام المختلفة كيماويا. وقد كانت هناك عوامل قوية ساعدت على هذا الامتزاج ألممنا بها في الجزء الأول من كتابنا.
10
ولكن لابد أن نزيد هنا كلمة عن شيء كان ظاهر الأثر في هذا العصر؛ وهو «عملية التوليد».
ونعني بالتوليد؛ أن يتزاوج رجل من أمة وامرأة من أمة أخرى؛ فينشأ بينهما نسل يجري في عروقه دم الأمتين. وقد امتاز العصر العباسي الأول بكثرة هذا الجيل من الناس. وكان هذا التوليد ظاهرة قوية؛ نتجت عن اختلاط الأجناس، ومن نظام الرق والولاء الذي طبق عقب الفتح الإسلامي. فقد أصبح البيت الإسلامي - وخصوصا بيوت الخلفاء والأمراء والأغنياء - «عصبة أمم»، ينتج من النسل ما يحمل خصائص الأمم المختلفة. خذ لذلك مثلا: بيت أبي جعفر المنصور؛ فقد كان في بيته أروى بنت منصور الحميري، أولدها المهدي، وجعفرا الأكبر. وأمة كردية كان المنصور اشتراها فتسراها؛ فولدت له جعفرا الأصغر. وأمة رومية يقال لها «قالي» أولدها «صالحا المسكين»، وامرأة من بني أمية أولدها بنتا تسمى «العالية.»
11
هذا مع أن أبا جعفر المنصور لم يسرف في التسري إسراف من أتى بعده. «وكان للرشيد زهاء ألفي جارية من المغنيات والخدمة في الشراب؛ في أحسن زي من كل نوع من أنواع الثياب والجوهر.»
12 «ويقال: إنه كان للمتوكل أربعة آلاف سرية.»
13
وسيأتي من ذلك الشيء الكثير عند الكلام في الجواري.
كانت هذه الجواري المختلفة الأنواع توزع على الفاتحين، وتباع في أسواق النخاسين، وتهدى كما تهدى الطرف اللطيفة، وتمنح كما يمنح المال. وكانت الحرائر من الأمم المختلفة تتزوج من غير جنسها، وكان هؤلاء وهؤلاء ينسلن نسلا عديدا، وكان نسلهن أكثر من نسل العربيات الخالصات؛ لقلة عدد العربيات إذا نسب لغيرهن. بل كان ولوع الناس بالاختلاط بغير العرب أقوى وأشد، وميلهم إلى الإماء أكثر منه إلى الحرائر. ولذلك سببان:
الأول:
أن الجمال في كثير من نساء هذه الأمم المفتوحة أوفر، والحسن أتم؛ قد صقلتهن الحضارة، وجلاهن النعيم. هذا إلى ما حبتهن به طبيعة الإقليم؛ من بياض البشرة، وصفرة الشعر، وزرقة العيون، ونحو ذلك.
الثاني:
ما أشار إليه الجاحظ؛ من أن عادة التزوج بالحرائر كانت في عهده كعادتنا الآن! لا ينظر الرجل إلى من يريد أن يتزوج، ولكن تتوسط «الخاطبة»، فتروي له من محاسنها ما تشاء، وقد لا يتفق ذوقها وذوقه.. هذا إن صدقته! وليس ذلك هو الشأن في الأمة، فهو يراها قبل أن يقدم على تملكها. قال الجاحظ: «قال بعض من احتج للعلة التي من أجلها صار أكثر الإماء أحظى عند الرجل من أكثر المهيرات:
14
إن الرجل قبل أن يملك الأمة قد تأمل كل شيء منها، وعرف ما خلا حظوة الخلوة، فأقدم على ابتياعها بعد وقوعها بالموافقة. والحرة إنما يستشار في جمالها النساء، والنساء لا يبصرن من جمال النساء وحاجات الرجال، وموافقتهن قليلا ولا كثيرا! والرجال بالنساء أبصر.. وقد تحسن المرأة أن تقول: كأن أنفها السيف! وكأن عينها عين غزال! وكأن عنقها إبريق فضة ...! وكأن شعرها العناقيد ...! وهناك أسباب أخر، بها يكون الحب والبغض.»