تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن من الحق أن نقول أيضا: إن الاتهام بالزندقة لم يقف في ذلك العصر عند حد؛ فالشاعر يكون صديق الشاعر وصفي نفسه، ثم تكون بينهما جفوة، فأول ما يرميه به أنه زنديق، كالهجاء بين بشار وحماد، وكالذي يقول خلاد الأرقط: ذكر ابن مناذر في حلقة يونس؛ فقدح فيه أكثر أهل الحلقة حتى نسبوه إلى الزندقة، فلما صرت في السقيفة التي في مقدم المسجد سمعت قراءة قريبة من حائط القبلة، فدنوت فإذا ابن مناذر قائم يصلي، فرجعت إلى الحلقة فقلت لأهلها: قلتم في الرجل ما قلتم، وها هو ذا قائم يصلي حيث لا يراه إلا الله!

40

ثم هم يسرعون في الاتهام، فيحكمون على أبي العتاهية بالزندقة لقوله:

كأن عتابة من حسنها

دمية قس فتنت قسها!

يا رب لو أنسيتنيها بما

في جنة الفردوس لم أنسها!

ولقوله:

إن المليك رآك أحسن

خلقه ورأى جمالك

فحذا بقدرة نفسه

حور الجنان على مثالك

41

بل أكثر من هذا يرون أبا العتاهية يذكر الموت، فيقولون: إنه زنديق لأنه يذكر الموت، ولا يذكر الجنة والنار.

42

كل هذا وأمثاله يدلنا على أن الناس في ذلك العصر أفرطوا في الرمي بالزندقة، مع خطر الاتهام، يقول أبو العلاء في رسالة الغفران: «وذكر صاحب كتاب «الورقة» جماعة من الشعراء في طبقة أبي نواس ومن قبله، ووصفهم بالزندقة: وسرائر الناس مغيبة، وإنما يعلم بها علام الغيوب.»

وكما كانت الخصومة الأدبية سببا في الرمي بالزندقة، كذلك كانت الخصومة الدينية والسياسية، يقول صاحب الأغاني: «كان حميد بن سعيد وجها من وجوه المعتزلة، فخالف أحمد بن أبي دواد في بعض مذهبه، فأغرى المعتصم بأنه شعوبي زنديق.»

43

وظل الأصمعي يتقرب إلى البرامكة، ويمدحهم فلما نكبوا قال فيهم:

إذا ذكر الشرك في مجلس

أضاءت وجوه بني برمك

وإن تليت عندهم آية

أتوا بالأحاديث عن مزدك!

ثم أليس عجيبا أن ترى بشارا يظل طول حياته يقول الشعر الماجن الخليع، ويتعرض للدين من قريب أو بعيد، ويظل في ذلك ثمانين عاما أو نحوها، فلا يتعرض له أحد، إلا ما نهاه الخليفة عن الغزل! بل نرى المهدي (وهو أكبر من اضطهد الزنادقة) يحميه ويتأول له الفقهاء،

44

فلما بلغ الثمانين أو جاوزها هجا يعقوب بن داود وزير المهدي بقوله:

بني أمية هبوا طال نومكم

إن الخليفة يعقوب بن داود

ضاعت خلافتكم يا قوم فانتظروا

خليفة الله بين الزق والعود

وهجا المهدي نفسه فأفحش، فعند ذلك فقط عوقب بشار على زندقته فضرب بالسياط حتى مات، وكذلك كان الشأن في ابن المقفع؛ خاصمه المنصور سياسيا، وخاصمه سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب فقتلاه ورمياه بالزندقة!

الحق إن بعض الناس اتخذوا الزندقة ذريعة للانتقام من خصومهم، سواء في ذلك الشعراء والعلماء والأمراء والخلفاء. وأخشى أن يكون قد رمي بها أناس كثيرون صحت عقيدتهم، ولكن كانت لهم حرية رأي في بعض المسائل خالفوا فيها جمهور العلماء فشهروا بهم.

ونجد الحكم الفقهي في الزنادقة عند الحنفية العراقيين أشد منه عند الشافعية؛ فكثير من الحنفية يرى أن المرتد إذا تاب قبلت توبته ولم يقتل، وأما الزنديق فإذا تاب لم تقبل توبته وقتل، وخالفهم في ذلك الشافعية، فقالوا لا يقتل من أظهر التوبة من الزنادقة.

45

على كل حال كانت حركة الزندقة في عصرنا الذي نؤرخه حركة عنيفة، كان من ضحاياها كثيرون، بالحق أحيانا، وبالباطل أحيانا.

الإيمان:

يقابل حركة الزندقة والشك هذه حركة إيمان صادق من جانب آخر. وإذا كنا نريد أن نفهم جوانب الحياة في هذا العصر، وجب علينا أن نصور جانب الإيمان كما صورنا جانب الزندقة. والذي يظهر لي أن جانب الإيمان في ذلك العصر كان الأعم الأشهر، والزندقة (بمعنى الشك أو الإلحاد) كانت حظ قليل من المفكرين إذا قيس بالعدد العديد من المؤمنين، ولذلك استطاع المؤرخون، وكتاب المقالات الدينية أن يسموا الزنادقة على شكهم في زندقة بعضهم، ولكن كان من العسير أن يسموا المؤمنين؛ لأن الإيمان هو الأساس، والزندقة ليست إلا شذوذا في اتجاه التيار العام. والذي زاد في عدد الزنادقة أنهم أطلقوا الكلمة على المجان والمستهترين، ولو لم يصل الشك في الدين إلى نفوسهم، وإن شئت فقل: إنهم لم يفكروا في الدين تفكيرا إيجابيا ولا سلبيا، وإن كثيرين حشروا مع الزنادقة سياسة لا دينا كما قدمنا، وإن كثيرين من الزنادقة كانت زندقتهم في الواقع ليست كراهية للإسلام من حيث هو دين له تعاليم خاصة لا توافق عقولهم، ولكن من ناحية وطنية قومية، وأكثر ما كان ذلك في قوم من الفرس، رأوا أن ضياع ملكهم إنما كان على يد العرب، ولم يكن يتأتى للعرب ذلك لولا دينهم الجديد، وهو الإسلام، فكرهوا العرب، وكرهوا الإسلام لهذا السبب، فأما الزندقة بمعنى البحث في الأديان بحثا علميا عميقا يسلم أحيانا إلى شك أو إنكار؛ فذلك كان قليلا نادرا. •••

ضحى الإسلام · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٥٩