تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

35

وأحيانا تطلق كلمة الزنادقة على أتباع ديانة الفرس، من غير أن ينتحلوا الإسلام، ونرى هذا الاستعمال أحيانا في كتاب الحيوان للجاحظ؛ فهو يقول: وكان لهؤلاء الزنادقة كتب أجود ما تكون ورقا، يكتب عليه بالحبر الأسود البراق، ويستجاد له الخط.

36 «وأن كتبهم لا تفيد علما ولا حكمة، وليس فيها مثل سائر، ولا خبر ظريف، ولا صنعة أدب، ولا حكمة غريبة ولا فلسفة، ولا مسألة كلامية، وجل ما فيها ذكر النور والظلمة، وتناكح الشياطين، وتسافد العفاريت، وذكر الصنديد، والتهويل بعمود الصبح»، ثم يذم كتبهم، ويستخف بمعانيها،

37

ويقول: إن هؤلاء الزنادقة أثروا في بعض الناس، وخاصة في ناس من الصوفية والنصارى؛ فكانوا يرفضون الذبائح، ويبغضون إراقة الدماء، ويزهدون في أكل اللحوم. ويقول: إن قوما ممن ينتحل الإسلام يظهرون التقذر من الصيد، ويرون أن ذلك من القسوة، وأنه يسلم إلى التهاون بدماء الناس والرحمة شكل واحد، ومن لم يرحم الكلب لم يرحم الظبي، ومن لم يرحم الظبي لم يرحم الجدي، ومن لم يرحم العصفور لم يرحم الصبي. وصغار الأمور تؤدي إلى كبارها، يضاهون في ذلك سبيل الزنادقة.

38

وهناك معنى آخر للزندقة يستعمله الجاحظ وغيره أحيانا، يطلقونه على قوم جحدوا الأديان كلها عن نظر؛ فهي بهذا المعنى مرادفة للدهرية والإلحاد. قال أبو العلاء في رسالة الغفران: «والزنادقة هم الذين يسمون الدهرية لا يقولون بنبوة ولا كتاب.»

وعلى هذا المعنى يروي الجاحظ: «أن الزندقة فشت في النصارى.»

39

والظاهر أنه يريد بذلك الشك ونحوه.

من هذا كله يظهر أن كلمة الزندقة لم تكن ذات معنى واحد، وإنما كانت تطلق على معان أربعة: (1)

التهتك والاستهتار والفجور مع تبجح في القول، يصل أحيانا إلى ما يمس الدين، ولكن قائله لم يقله عن نظر، وإنما قاله عن خلاعة ومجون. (2)

اتباع دين المجوس، وخاصة دين ماني، مع التظاهر بالإسلام؛ كالذي اتهم به الأفشين، والذي اتهم به بشار وحماد وابن المقفع. (3)

اتباع دين المجوس، وخاصة «ماني»، من غير تظاهر بالإسلام؛ كالذي يرويه الجاحظ عن كتب الزنادقة. (4)

ملحدون لا دين لهم؛ كالذي يحكيه المعري، ولكن يظهر أن الكلمة - أكثر ما كانت - تطلق على من اعتنق المانوية باطنا والإسلام ظاهرا، ثم توسعوا في معناها فأطلقوها على الإباحي والملحد الذي لا دين له. •••

على كل حال فشت الزندقة بمعانيها المختلفة في هذا العصر، وقد عد أبو العلاء من الزنادقة في رسالته الغفران: «الوليد بن يزيد الخليفة الأموي، ودعبلا الشاعر، وبشارا، وأبا نواس، وصالح بن عبد القدوس، وأبا مسلم الخراساني مؤسس الدولة العباسية، وبابك، والأفشين، والحلاج الصوفي، وغيرهم.» فيقول في دعبل: «وما يلحقني الشك في أن دعبل بن علي لم يكن له دين، وكان يتظاهر بالتشيع، وإنما غرضه التكسب، ولا أرتاب في أن دعبلا كان على رأي الحكمي «أبي نواس» وطبقته، والزندقة فيهم فاشية، ومن ديارهم ناشية.» ويقول: «وقد اختلف في أبي نواس؛ ادعي له التأله، وأنه كان يقضي صلوات نهارية في ليله، والصحيح أنه كان على مذهب غيره من أهل زمانه.»

وكان من الطبيعي أن يكون في هذا العصر زنادقة دعاهم إليها دواع مختلفة؛ فقوم دعاهم إليها دين ألفوه قديما، وهو دين المجوسية، وكان لهم فيه آباء عديدون، وكانت لهم عادات وتقاليد، أخذها الخلف من السلف، ولكنهم رأوا جاها عريضا، ومناصب عزيزة لا يستطيعون الوصول إليها إلا أن يسلموا فأسلموا،

ولما يدخل الإيمان في قلوبهم،

واتخذوا الإسلام ثيابا ظاهرية، يخلعونها إذا خلوا إلى أهليهم، وهم إذا أمكنتهم الفرصة كادوا للإسلام وللعرب، ودعوا للشعوبية والمذاهب الدينية. وقوم دعاهم إلى التزندق شك في الأديان، والقول بسلطان العقل إلى أقصى حدوده، فهم لا يريدون أن يؤمنوا إلا بما يرون بأعينهم، ويحكمون العقل حتى فيما ليس للعقل فيه مجال، فنبذوا الأديان جملة، ودعوا إلى الإلحاد. وآخرون إنما كان همهم في الحياة شهواتهم، فما الحياة إلا خمر وما إليها، لا يرضون أن يجهدوا عقولهم في تفكير في دين، إنما يغضبون على الدين وقت أن يتعارض مع شهواتهم، ويحد من لذاتهم، حينذاك ينطقون بالكلمة تلو الكلمة، وهم سكارى يتضاحكون فيها على الدين. كل هذه الأصناف كانت في العصر العباسي، وكان جمهور المؤمنين يكرهها ويحاربها.

ضحى الإسلام · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٥٨