اشتهر جماعة كثيرة في ذلك، كانوا المثل الأعلى في الإيمان؛ أمثال عبد الله بن المبارك، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وداود الطائي، والفضل بن عياض ... إلخ.
46
نقرأ ترجمتهم، فنتبين فيهم ورعا وتقوى، وإيمانا صادقا، وهروبا من الاتصال بوال أو أمير ، ورفض أي منصب يعرضه عليهم العباسيون. ولعل خير ما يمثل هذا النوع من الحياة ما رواه ابن قتيبة في رثاء ابن السماك لداود الطائي، قال: «إن داود رحمه الله نظر بقلبه إلى ما بين يديه من آخرته، فأعشى بصر القلب بصر العين، فكان كأنه لا ينظر إلى ما إليه تنظرون، وكأنكم لا تنظرون إلى ما إليه ينظر! فأنتم منه تعجبون، وهو منكم يعجب! فلما رآكم راغبين مذهولين مغرورين، قد أذهلت الدنيا عقولكم، وأماتت بحبها قلوبكم، استوحش منكم، فكنت إذا نظرت نظرت إلى حي وسط أموات! يا داود ما أعجب شأنك بين أهل زمانك! أهنت نفسك، وإنما تريد إكرامها، وأتعبتها، وإنما تريد راحتها، أخشنت المطعم، وإنما تريد طيبه، وأخشنت الملبس، وإنما تريد لينه، ثم أمت نفسك قبل أن تموت، وقبرتها قبل أن تقبر، وعذبتها ولما تعذب، وأغنيتها عن الدنيا لكيلا تذكر، رغبت نفسك عن الدنيا فلم ترها لك قدرا إلى الآخرة، فما أظنك إلا وقد ظفرت بما طالبت، كان سيماك في سرك، ولم يكن سيماك في علانيتك، تفقهت في دينك، وتركت الناس يغنون، وسمعت الحديث، وتركتهم يحدثون. وخرست عن القول، وتركتهم ينطقون. لا تحسد الأخيار، ولا تعيب الأشرار، ولا تقبل من السلطان عطية، ولا من الإخوان هدية. آنس ما تكون إذا كنت بالله خاليا، وأوحش ما تكون آنس ما يكون الناس. فمن سمع بمثلك وصبر صبرك وعزم عزمك؟ لا أحسبك إلا وقد أتعبت العابدين بعدك. سجدت نفسك في بيتك فلا محدث لك، ولا جليس معك ولا فراش تحتك، ولا ستر على بابك، ولا قلة يبرد فيها ماؤك، ولا صحفة يكون فيها غذاؤك وعشاؤك. مطهرتك قلبك، وقصعتك تورك،
47
داود، ما كنت تشتهي من الماء بارده، ولا من الطعام طيبه، ولا من اللباس لينه؛ بلى! ولكن زهدت فيه لما بين يديك، فما أصغر ما بذلت! وما أحقر ما تركت في جنب ما أملت! فلما مت شهرك ربك بموتك، وألبسك رداء عملك، وأكثر تبعك، فلو رأيت من حضرك عرفت أن ربك قد أكرمك وشرفك ، فلتتكلم اليوم عشيرتك بكل ألسنتها، فقد أوضح ربك فضلها بك.»
وسفيان الثوري، كان مع صلاحه وورعه وعلمه يعيش من تجارته، ويرفض عطاء الولاة، ورفض أن يكون قاضيا على الكوفة للعباسيين، فيطلب ويظل دهرا من حياته يهرب من العراق إلى اليمن، ومن اليمن إلى مكة، خشية من العباسيين، وتوفي سنة 161 متواريا من السلطان. •••
وكما صورت حياة اللهو والمجون في كتاب الأغاني ودواوين الشعراء، صورت حياة الإيمان في تراجم العلماء أمثال طبقات ابن سعد، وطبقات المحدثين. فإذا أنت قرأت الأغاني ظننت أن الحياة كلها لهو ومجون وإباحة، وإذا قرأت طبقات المحدثين والمتصوفة خلت أن الحياة كلها دين وورع وتقوى، وتنصف إن أنت اعتقدت أن الحياة كانت ذات صنف وألوان، وأن المدينة العباسية كانت ككل المدنيات؛ مسجد وحانة، وقارئ وزامر، ومتهجد يرتقب الفجر، ومصطبح في الحدائق، وساهر في تهجد، وساهر في طرب. وتخمة من غنى، ومسكنة من إملاق، وشك في دين، وإيمان في يقين. كل هذا كان في العصر العباسي، وكل هذا كان كثيرا. •••
هذا النوع من المؤمنين الذي سميناهم كسفيان وداود، لم يدخلوا في معترك الجهاد مع الشاكين والمتزندقين، بل كانوا يعنون بإيمانهم، ولا يأبهون لإلحاد غيرهم. إنما المؤمنون الذي تصدوا للرد على الملحدين هم معتزلة ذلك العصر، أمثال واصل بن عطاء وأبي الهذيل العلاف وبشر بن المعتمر وإبراهيم النظام، فهؤلاء أخذوا يستعرضون ما تقوله الزنادقة، ويناقشونهم ويردون عليهم، ويلزمونهم الحجة، وقد حكت لنا الكتب كثيرا من هذا الجدل،نعرض له عند الكلام على المعتزلة إن شاء الله.