27
وحماد الراوية يفسد اللغة والأدب بما يعمله من شعر يضيفه إلى الشعراء المتقدمين، ويدسه في أشعارهم «حتى إن كثيرا من الرواة قالوا: قد أفسد حماد الشعر لأنه كان رجلا يقدر على صنعته فيدس في شعر كل رجل ما يشاكل طريقته.»
28
وصالح بن عبد القدوس يدس في الأشعار معاني زندقة، ويونس بن أبي فروة يعمل كتابا في مثالب العرب، وعيوب الإسلام بزعمه، ويصير به إلى ملك الروم فيأخذ منه مالا.
29
هؤلاء وأمثالهم كانوا يتزندقون تزندقا علميا؛ فهم يدينون بماني أو مزدك، ويؤمنون بالنور والظلمة، وبعبارة عامة يدينون بدين المجوس عن علم، ثم يتظاهرون بالإسلام تقية، أو توسلا إلى إضلال الناس، ويدل على هذا المعنى الخاص ما رواه الأغاني أن بشارا هجا حماد عجرد فقال:
يا ابن نهبى، رأس علي ثقيل
واحتمال الرأسين أمر جليل
فادع غيري إلى عبادة ربين
فإني بواحد مشغول!
فقال حماد: ما يغيظني من بشار إلا تجاهله بالزندقة، يوهم الناس أنه يظن أن الزنادقة تعبد رأسا ليظن الجهال أنه لا يعرفها؛ لأن هذا قول تقوله العامة لا حقيقة له، وهو والله أعلم بالزندقة من ماني.
30
ويقول أبو نواس: كنت أتوهم حماد عجرد إنما يرمى بالزندقة لمجونه في شعره حتى حبست في حبس الزنادقة، فإذا حماد عجرد إمام من أئمتهم، وإذا له شعر مزاوج بيتين بيتين، يقرءون به في صلاتهم.
31
اشتهر بالزندقة في هذا العصر كثيرون؛ منهم الحمادون الثلاثة: حماد عجرد، وحماد الراوية، وحماد بن الزبرقان، وبشار بن برد، وابن المقفع، ويونس ابن أبي فروة، ومطيع بن إياس، وعبد الكريم ابن أبي العوجاء، وصالح بن عبد القدوس، وعلي بن الخليل، وابن منذر، وتجد في ترجمتهم في الأغاني وغيره ضروبا من القصص توضح زندقتهم، وكان بين بعض هؤلاء وبعض صداقة وود أحيانا، وهجو وتنابز أحيانا.
والذي نلاحظه أن أكثر من ذكرنا موال من الفرس، وذلك طبيعي، فإن الزندقة بهذا المعنى تستر وراءها ديانة مجوسية من ديانات الفرس، فطبيعي أن ينزع إليها من كان أصلهم مجوسا، ومع هذا فإنا نجد من العرب بل من الهاشميين من اتهم بالزندقة؛ مثل الحسين بن عبد الله بن عبيدا لله بن العباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
32
وكالذي روى الطبري من أن المهدي أتى بداود بن علي، وبيعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وقد اتهما بالزندقة فأقرا له بها.
33
ولكن كانت الزندقة في العرب على العموم نادرة، وأكثر من اتهم بها كانت زندقته بالمعنى الأول، وهو التهتك والفجور، أو كان اتهامهم شركا من الشراك التي تنصب من أجل خصومة سياسية.
وقد اشتهر بهذا النوع من الزندقة طائفة من الكتاب، كان أكثرهم كذلك من أصل فارسي، وقد أخذوا من كل علم بطرف، ولم يتعمقوا في علم، وأمعنوا في الغرور بأنفسهم فكثرت زندقتهم. ويقول الجاحظ: «والناشئ منهم (من الكتاب) إذا حفظ من الكلام فتيقه،
34
ومن العلم ملحه، وروى لبزرجمهر أمثاله، ولأردشير عهده، ولعبد الحميد رسائله، ولابن المقفع أدبه، وصير كتاب مزدك معدن علمه ، ودفتر كليلة ودمنة كنز حكمته، «توهم» أنه الفاروق الأكبر في التدبير، وابن عباس في العلم بالتأويل، ومعاذ بن جبل في العلم بالحلال والحرام، وعلي بن أبي طالب في الجرأة على القضاء والأحكام، وأبو الهذيل العلاف في الجر والطفرة، وإبراهيم بن سيار النظام في المكامنات والمجانسات، وحسين النجار في العبادات والقول بالإثبات، والأصمعي وأبو عبيدة في معرفة اللغات والعلم بالأنساب، فيكون أول بدوه الطعن على القرآن في تأليفه، والقضاء عليه بتناقضه، ثم يظهر فيه ظرفه بتكذيب الأخبار، وتهجين من نقل الآثار، فإن استرجح أحد أصحاب الرسول فتل عند ذكرهم شدقه، ولوى عن محاسنهم كشحه، وإن ذكر شريح جرحه، وإن نعت له الحسن استثقله، وإذا وصف له الشعبي استحمقه، ثم يقطع ذلك من مجلسه بسياسة أردشير بابكان، وتدبير أنوشروان، واستقامة البلاد لآل ساسان، فإن حذر العيون، تفقده المسلمون، رجع بذكر السنن إلى المعقول، ومحكم القرآن إلى المنسوخ، ونفي ما لا يدرك بالعيان، وشبه بالشاهد الغائب، لا يرتضي من الكتب إلا المنطق ... هذا هو المشهور من أفعالهم والموصوف من أخلاقهم.»