تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22

والشراب، ويقول:

شربت فلما قيل ليس بنازع

نزعت وثوبي من أذى اللؤم طاهر

23

فترى أن «آدم» لم يتزندق زندقة علمية، وإنما غلبه الشرب فنطق بقول فيه هجر، فاتهم بالزندقة، على هذا المعنى العامي الشائع.

والواقع أن كثيرا من الشعراء في ذلك العصر أفرطوا في دعوة الناس إلى الفجور والإباحة، وحملهم على الاستهتار. ولم يكتفوا أن يدعوا إلى ما يدعون إليه من غير تعرض للدين، بل تعرضوا له أحيانا، وأخذوا يجهرون بأقوال فيها تهكم، وفيها سخرية، فيسخرون ممن يقول بتحريم الخمر، ويسخرون ممن يخوف بالدار، وممن يذكر بيوم البعث وما فيه من حساب، فيقول بشار:

لا خير في العيش إن كنا كذا أبدا

لا نلتقي وسبيل الملتقى نهج

قالوا: حرام تلاقينا! فقلت لهم

ما في التلاقي ولا في قبلة حرج

وبدأ هذا النوع خفيفا، ثم أخذ يشتد حتى وصل إلى ضرب من الإلحاد، وكان من أشدهم في ذلك أبو نواس كأن يقول:

وملحة باللوم تحسب أنني

بالجهل أوثر صحبة الشطار

بكرت علي تلومني فأجبتها

إني لأعرف مذهب الأبرار

فدعي الملام فقد أطعت غوايتي

وصرفت معرفتي إلى الإنكار

ورأيت إتياني اللذاذة والهوى

وتعجلا من طيب هذي الدار

أحرى وأحزم من تنظر آجل

علمي به رجم من الأخبار

ما جاءنا أحد يخبر أنه

في جنة من مات أو في النار!

ويقول:

يا ناظرا في الدين ما الأمر

لا قدر صح ولا جبر؟

ما صح عندي من جميع الذي

تذكر إلا الموت والقبر

ويقول:

قلت والكأس على كفي

تهوي لالتثامي

أنا لا أعرف ذاك اليوم

في ذاك الزحام

24

على أن بعض هؤلاء الشعراء الذين ترد على لسانهم هذه الأقوال وأمثالها كانوا يقولونها وهم مطمئنون إلى دينهم، ولكن غلبهم الطرب، وجرى الشعر على لسانهم فتحرك بمثل هذا، وذلك مثل الذي ورد من شعر آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز.

والذين كانوا يستمعون لهذا القول يختلفون فيما بينهم؛ فطائفة تسخط لمثل هذا، وتحكم على قائله بالإلحاد والخروج من الدين، وطائفة لا ترى هذا جدا من القول، وإنما هو نوع من أنواع التملح، لم يقل إلا على سبيل الفكاهة والمجون، وعلى هذا الأساس الأخير شاع في ذلك العصر وصف الزنديق بالظرف، فأبو نواس يصف العباس بن الفضل بن الربيع فيقول:

نديم كأس محدث ملك

تيه مغن وظرف زنديق

بل شاع اتهام بعض الناس بأنه لا يتزندق عن عقيدة، وإنما يتزندق ليشتهر بالظرف، ففي الأغاني: أن محمد بن زياد كان يظهر الزندقة تظارفا، فقال فيه ابن مناذر:

يا ابن زياد، يا أبا جعفر

أظهرت دينا غير ما تخفي

مزندق الظاهر باللفظ في

باطن إسلام فتى عف

لست بزنديق ولكنما

أردت أن توسم بالظرف!

25

وقال غيره:

تزندق معلنا ليقول قوم

إذا ذكروه زنديق ظريف

فقد بقي التزندق فيه وسما

وما قيل الظريف ولا اللطيف!

وعلى الجملة فالزندقة بهذا المعنى معناها التهتك، ثم التدرج فيه إلى الخروج عن الدين أحيانا بألفاظ ماسة، ثم المغالاة في ذلك، إلى أقوال فيها معنى الإلحاد لا عن نظر وتفكير. كل هذا كان شائعا فاشيا، وكل هذا كان معنى «الزندقة» في أذهان العامة وأشباههم، وعلى هذا المعنى قالوا: «إن علامة الزندقة شرب الخمر، والرشا في الحكم، ومهر البغي.»

26

وهناك معنى آخر للزندقة، كان يفهمه الخاصة وأشباههم. ويعنون به اعتناق الإسلام ظاهرا، والتدين بدين الفرس القديم باطنا، وخاصة مذهب ماني، ذلك أنه كان في ذلك العصر طائفة لم تؤمن بالإسلام ولكن آمنت بسلطانه، ورأت أنه لا سبيل لنيل الجاه والسلطان والمال إلا بالإسلام فاعتنقته ظاهرا، وظلت تخلص لدينها القديم، وقوم من هؤلاء كان لهم غرض أعمق من هذا؛ إذ رأوا أنهم لا يستطيعون إفساد العقيدة الإسلامية إلا بالانتساب إليها أولا، حتى يؤمن جانبهم، وحتى يسهل على النفوس الأخذ بقولهم، ثم هم بعد ينفثون تعاليمهم على أشكال مختلفة؛ طورا في العلم والدين، وطورا في الأدب، وطورا في وضع مثالب العرب، ومن حين لآخر لآخر كان يعثر على بعضهم فينكل بهم، ولكنهم لا يبيدون، أحيانا يعملون أفرادا، وأحيانا يعملون جماعات، وعصرنا الذي نؤرخه مملوء بهذه الأمثال، فعبد الكريم بن أبي العوجاء يتهم بالزندقة، ويفسد أحاديث رسول الله بما يضع فيها، ويقر حين يقتله المنصور بأنه وضع أربعة آلاف حديث مكذوب مصنوع.

ضحى الإسلام · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٥٦