وخلاصة هذه التهمة العظمى محاولته قلب المملكة الإسلامية، ومحو الخلافة، ومحو الدين الإسلامي، وإعادة المملكة العجمية كما كانت، بلغتها ودينها وسلطانها. وقد أنكر هذا الكتاب، وقال إن عمل أخيه لا يلزمه، ولو صح لكانت هذه حيلة مني، أريد أن أستميله حتى يثق بي، ثم آتي به الخليفة لأحظى به عنده. (6)
واتهم أيضا بتهمة ترك الاختتان.
فقال إنه خاف أن يقطع ذلك من جسده فيموت، وما علم أن في ترك الاختتان الخروج من الإسلام.
فرد إلى الحبس، ومنع عنه الطعام والشراب إلى أن مات، ثم صلب، وأحرق بالنار
16
وقد مدحه أبو تمام أولا بمدائح كثيرة؛ منها:
لقد لبس الأفشين قسطلة الوغى
محشا بنصل السيف غير مواكل
17
وجرد من آرائه حين أضرمت
به الحرب حدا مثل حد المناصل
وسارت به بين القنابل والقنا
عزائم كانت كالقنا والقنابل
18
وقد ظللت عقبان أعلامه ضحى
بعقبان طير في الدماء نواهل
تراه إلى الهيجاء أول راكب
وتحت صبير الموت أول نازل
19
فلما صلب وأحرق عاد فذمه في قصيدة طويلة منها:
قد كان بوأه الخليفة جانبا
من قلبه حرما على الأقدار
فإذا ابن كافرة يسر بكفره
وجدا كوجد فرزدق بنوار
ومنها:
ما زال سر الكفر بين ضلوعه
حتى اصطلى سر الزناد الواري
نارا يساور جسمه من حرها
لهب كما عصفرت شق إزار
طارت لها شعل يهدم لفحها
أركانه هدما بغير غبار
فصلن منه كل مجمع مفصل
وفعلن فاقرة بكل فقار
20
مشبوبة رفعت لأعظم مشرك
ما كان يرفع ضوءها للساري
صلى لها حيا وكان وقودها
ميتا ويدخلها مع الفجار
يا مشهدا صدرت بفرحته إلى
أمصارها القصوى بنو الأمصار
رمقوا أعالي جذعه فكأنما
وجدوا الهلال عشية الإفطار
ويقول التبريزي: «لم يكن الأفشين كافرا، ولا منافقا، وإنما كان رجلا من الفرس اصطفاه المعتصم لحسن طاعته وخدمته، واعتمد عليه في مهام أموره، حتى وكل إليه مقاتلة بابك الخرمي، فمضى إليه في ألوف وأسره، غير أن الحساد أفسدوا ما بينهما، فذكروا للمعتصم: أنه منطو على خلافك، وقالوا للأفشين: إن المعتصم قد عزم على القبض عليك، فانقبض عنه حذرا من القبض عليه. فتحقق للمعتصم بانقباضه ما كان أخبر به عنه، فأخذه وأحرقه وصلبه. وقيل إن السبب في ذلك هو ابن أبي دواد لأمر جرى بينهما.» وليس هنا موضع تحقيق ما اتهم به الأفشين، فمحل ذلك البحث التاريخي، وإنما يهمنا هنا منظر الزندقة، وما وجه إليه من التهم وطريقة محاكمته. •••
وبعد، فماذا كان يفهم من كلمة «الزندقة» في هذا العصر الذي نؤرخه، وماذا يعنون عندما يتهمون رجلا بالزندقة، وماذا كان الباعث عليها؟
الحق إن كلمة «الزندقة» لم يكن معناها واحدا عند الناس على السواء؛ فمعناها في أذهان الخاصة والعلماء غير معناها في أذهان العامة.
فأما العامة وأشباههم؛ فكانوا يطلقون على المستهتر الماجن «زنديقا»؛ فإبراهيم بن سيابة الشاعر كان يرمى بالزندقة، ولم يكن يعرف عنه قول في الدين، إنما كان يعرف عنه أنه كان خليعا ماجنا، طيب النادرة، يحب الغلمان، ويحبه المجان.
21
وآدم حفيد عمر بن عبد العزيز اتهم بالزندقة لأنه كان خليعا ماجنا منهمكا في الشراب، يشرب الخمر فيفرط في شربها، وتجري على لسانه وهو سكران أبيات فيها مساس بالدين، كأن يقول:
اسقني واسق خليلي
في مدى الليل الطويل
لونها أصفر صاف
وهي كالمسك الفتيل
في لسان المرء منها
مثل طعم الزنجبيل
ريحها ينفح منها
ساطعا من رأس ميل
من ينل منها ثلاثا
ينس منهاج السبيل
فمتى ما نال خمسا
تركته كالقتيل
ليس يدري حين ذاكم
ما دبير من قبيل
إن سمعي عن كلام ال
لائمي فيها الثقيل
لشديد الوقر إني
غير مطواع ذليل
قل لمن يلحاك فيها
من فقيه أو نبيل
أنت دعها وارج أخرى
من رحيق السلسبيل
تعطش اليوم وتسقى
في غد نعت الطلول!
وكان يقول:
اسقني واسق غصينا
لا تبع بالنقد دينا
اسقنيها مرة الطعم
تريك الشين زينا
ومن أجل ذاك يتهم بالزندقة، فيأخذه المهدي ويضربه ثلثمائة سوط على أن يقر بالزندقة، فيقول: والله ما أشركت بالله طرفة عين، ومتى رأيت قرشيا تزندق؟ ولكنه طرب غلبني وشعر طفح على قلبي، أنا فتى من فتيان قريش، وأشرب النبيذ، وأقول ما قلت على سبيل المجون، ثم هجر الشرب والمجون بعد ذلك، وكان يكره أن يرى الشرب