10
وقد أنفذ الهادي وصية أبيه، فكان يقتل الزنادقة، ويروي الطبري في حوادث سنة 169: أن الهادي اشتد هذه السنة في طلب الزنادقة، فقتل منهم فيها جماعة؛ فكان ممن قتل منهم يزدان بن باذان كاتب يقطين، وابنه علي بن يقطين من أهل النهروان. ذكر عنه أنه حج فنظر إلى الناس يهرولون في الطواف فقال: ما أشبههم إلا ببقر تدوس في البيدر. وله يقول العلاء ابن الحداد الأعمى:
أيا أمين الله في خلقه
ووارث الكعبة والمنبر
ماذا ترى في رجل كافر
يشبه الكعبة بالبيدر
11
ويجعل الناس إذا ما سعوا
حمرا تدوس البر والدوسر
12
فقتله موسى ثم صلبه.
13
ولما ولي هارون الرشيد سلك سبيل من قبله من الخلفاء في تعقب الزنادقة، فيحدثنا الطبري في حوادث سنة 171 أن الرشيد في هذه السنة أمن من كان هاربا أو مستخفيا، غير نفر من الزنادقة، منهم يونس بن فروة، ويزيد بن الفيض.
14
حتى المأمون بلغه خبر عشرة من الزنادقة من أهل البصرة، يذهبون إلى قول «ماني»، ويقولون بالنور والظلمة، فأمر بحملهم إليه بعد أن سموا واحدا واحدا؛ فكان يدعوهم رجلا رجلا، ويسألهم عن دينهم فيخبرونه بالإسلام فيمتحنهم بأن يظهر لهم صورة ماني، ويأمرهم أن يتفلوا عليها، ويتبرءوا منها، ويأمرهم بذبح طائر ماء وهو الدرج، وقد أبوا ذلك فقتلهم.
15
وفي عهد المعتصم كانت حادثة عظمى في تاريخ الزندقة، وهي محاكمة «الأفشين» (قائد جيوش المعتصم)؛ فإنه لما شق عصا الطاعة اتهم بالزندقة، وألفت محكمة لمحاكمته، كان من أعضائها محمد بن عبد الملك الزيات، وأحمد بن أبي داود، وقد اتهم الأفشين بجملة تهم: (1)
أنه عمد إلى رجلين كانا قد وجدا بيتا فيه أصنام في أشروسنة، فأخرجا الأصنام منه، وحولاه مسجدا، وصار أحدهما إماما للمسجد، والآخر مؤذنا، فضربهما الأفشين كلا ألف سوط، حتى عريت ظهروهما من اللحم.
وقد دافع عن نفسه، بأنه كان بينه وبين ملوك السعد عهد أن يترك كل قوم على دينهم؛ فكان عمل الإمام والمؤذن تعديا على ما التزمه من حرية الأديان. (2)
واتهم كذلك بأنه عثر في بيته على كتاب قد زين بالذهب والجوهر والديباج، فيه كفر بالله.
ورد على هذه التهمة بالإقرار بها، وأنه ورث الكتاب عن آبائه، والكتاب فيه أدب من آداب العجم، وفيه كفر؛ فانتفع بما فيه من أدب، وترك ما فيه من كفر، ولم يكن بحاجة إلى مال حتى يجرد الكتاب من حليته، وليس شأن الكتاب بعد ذلك إلا شأن كتاب كليلة ودمنة وكتاب مزدك، وهما في منازل القضاة، لم يعترض عليها معترض! (3)
واتهم أيضا بأنه كان يأكل المخنوقة، ويزعم أنها أرطب لحما من المذبوحة، وكان يقتل شاة سوداء كل يوم أربعاء، يضرب وسطها بالسيف، ثم يمشي بين نصفيها ويأكل لحمها.
وقد رد على هذا بأن من شهد عليه بهذه الشهادة، يعترف خصومه بأنه ليس ثقة ولا معدلا، وليس بين منزل الشاهد ومنزل الأفشين باب أو كوة يطلع عليه منها ويتعرف أخباره. (4)
واتهم بأن أهل مملكته كانوا يكتبون إليه باللغة الأشروسنية ما تفسيره بالعربية إلى إله الآلهة، من عبده فلان بن فلان: فماذا أبقى بعد لفرعون إذ يقول
أنا ربكم الأعلى .
وقد أجاب بأن هؤلاء القوم كانوا يكتبون لأبي وجدي كذلك، ولي قبل أن أدخل في الإسلام، فكرهت أن أضع نفسي دونهم، فتفسد علي طاعتهم. (5)
واتهم خامسا أن أخاه كتب إلى «قوهيار» إنه ليس من ينصر هذا الدين الأبيض (يريد المجوسية) إلا أنا وأنت وبابك؛ فأما بابك فقد قتل نفسه بحمقه، فإن خالفت لم يكن للقوم من يرمونك به غيري، ومعي الفرسان وأهل النجدة والبأس، فإن وجهت إليك لم يبق أحد يحاربنا إلا ثلاثة: العرب، والمغاربة، والأتراك. والعربي بمنزلة الكلب، اطرح له كسرة، ثم اضرب رأسه بالدبوس. وهؤلاء الذباب (يعني المغاربة) إنما هم أكلة راس. وأولاد الشياطين (يعني الأتراك) فإنما هي ساعة حتى تنفد سهامهم، ثم تجول عليهم الخيل جولة، فتأتي على آخرهم، ويعود الدين إلى ما لم يزل عليه أيام العجم.