وسبب ثان هو أن بعض الفرس رأوا أن انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين لم يحقق مطالبهم؛ فقد انتقلوا من يد عربية (وهي اليد الأموية) إلى يد أخرى هي يد العباسيين، ومطمح نفوسهم أن تكون الحكومة فارسية في مظهرها وحقيقتها، في سلطتها ولغتها ودينها، ورأوا أن ذلك لا يتحقق والإسلام في سلطانه، فأخذوا يعملون لنشر المانوية والزرادشتية والمزدكية ظاهرا إن أمكن، وخفية إذا لم يمكن، فكان من ذلك فشو الزندقة.
يضاف إلى ذلك أن الدولة الأموية - كما قدمنا - كانت دولة العرب، فالحكم في أيديهم والملك لهم، وولاتهم ورجالهم عرب، والموالي أذلاء مضطهدون. والعرب لا تعرف الزندقة كثيرا، ولا تميل إليها؛ فهم مطمئنون إلى ملكهم وإلى دينهم، فلما أتت الدولة العباسية انتعش الموالي، وخاصة الفرس، وأصبح أكثر السلطان في أيديهم، وغلبوا على العرب، وقد كانت لهم ديانات سابقة لم ينسوها جميعا لما اعتنقوا الإسلام، وكانوا لا يجرءون في الحكم الأموي أن ينبسوا بكلمة، وكان همهم الأول أن يتحرروا سياسيا لا دينيا، فكانت دعواتهم السرية واجتماعاتهم وتدابيرهم للسياسة لا الدين. والزندقة إنما هي في الدين لا في السياسة، فلما نجحوا واطمأنوا وغلبوا بدأت تلعب في رءوسهم الديانات القديمة والجديدة فكانت الزندقة.
نرى اسم الزنادقة مقرونا بالمجان في عهد أبي جعفر المنصور، فيذكر الطبري: «المنصور وجه مع محمد بن أبي العباس بالزنادقة والمجان، فكان فيهم حماد عجرد، فأقاموا معه بالبصرة يظهر منهم المجون، وإنما أراد بذلك أن يبغضه إلى الناس.»
2
وكان محمد بن أبي العباس مرشحا للخلافة، فأراد من إحاطته بالزنادقة والمجان أن يكرهه الناس، فيتسنى له أن يرشح ابنه المهدي، ولعل ذلك كان سببا في لفت نظر المهدي إلى الزنادقة، فقد كان قرب محمد بن أبي العباس منهم مبعدا له عن الخلافة، فليتقرب هو إلى الله وإلى الناس باضطهادهم!
على كل حال لم يعرف عن المنصور إمعان في اضطهادهم، وكانت سياسته - على ما يظهر - قمع الفتن الظاهرة فقط. فلما جاء المهدي كان من أظهر المسائل في تاريخه تنكيله بالزنادقة، والفحص عنهم؛ فقد عين رجلا وكل إليه أمرهم سماه «صاحب الزنادقة». يقول في الأغاني: «لما نزل المهدي البصرة كان معه حمدويه صاحب الزنادقة، فدفع إليه بشارا، وقال: اضربه ضرب التلف.»
3
وقال في موضع آخر: «أمر المهدي (عبد الجبار) صاحب الزنادقة فضرب بشارا.»
4
وهذه أول مرة نسمع فيها بتعيين رجل خاص يعهد إليه أمرهم، يبحث عنهم، وينكل بهم. ويقول الطبري في حوادث سنة 167: وفيها جد المهدي في طلب الزنادقة، والبحث عنهم في الآفاق وقتلهم، وولى أمرهم «عمر الكلواذي».
5
ويقول المسعودي في المهدي: «إنه أمعن في قتل الملحدين والمداهنين عن الدين لظهورهم في أيامه، وإعلانهم باعتقاداتهم في خلافته لما انتشر من كتب ماني، وابن ديصان
6
ومرقيون؛ مما نقله عبد الله بن المقفع وغيره، وترجمه من الفارسية والفهلوية إلى العربية، وما صنف في ذلك ابن أبي العوجاء
7
وحماد عجرد، ويحيى بن زياد، ومطيع بن إياس من تأييد المذاهب المانوية والديصانية
8
والمرقونية، فكثر بذلك الزنادقة، وظهرت آراؤهم في الناس. وكان المهدي أول من أمر الجدليين من أهل البحث من المتكلمين بتصنيف الكتب في الرد على الملحدين ممن ذكرنا من الجاحدين وغيرهم، وأقاموا البراهين على المعاندين، وأزالوا شبه الملحدين فأوضحوا الحق للشاكين.»
9
إذن قام المهدي بعملين نحو الزنادقة؛ إنشاء إدارة للبحث عنهم ومحاكمتهم، وإنشاء هيئة علمية لمناظرتهم، وتأليف الكتب للرد عليهم.
وعلى الجملة؛ فقد كان المهدي شديد الاهتمام بهذه الفئة، حتى لم ينس أن ينصح ابنه إذا قلد الأمر أن ينكل بهم، فالطبري يذكر: «أن المهدي قال لموسى (هو ابنه الهادي) يوما وقد قدم إليه زنديق فاستتابه فأبى أن يتوب، فضرب عنقه وأمر بصلبه: يا بني إن صار لك هذا الأمر فتجرد لهذه العصابة (يعني أصحاب ماني)؛ فإنهم فرقة تدعو الناس إلى ظاهر حسن كاجتناب الفواحش، والزهد في الدنيا، والعمل للآخرة، ثم تخرجها إلى تحريم اللحم، ومس الماء الطهور، وترك قتل الهوام تحرجا وتحوبا، ثم تخرجها من هذا إلى عبادة اثنين أحدهما النور، والآخر الظلمة، ثم تبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات، والاغتسال بالبول، وسرقة الأطفال من الطرق لتنقذهم من ضلال الظلمة إلى هداية النور، فارفع فيها الخشب، وجرد فيها السيف، وتقرب بأمرها إلى الله لا شريك له؛ فإني رأيت جدك العباس في المنام قلدني بسيفين، وأمرني بقتل أصحاب الاثنين.» «فقال موسى بعد أن مضت من أيامه عشرة أشهر: أما والله لئن عشت لأقتلن هذه الفرقة كلها، حتى لا أترك منها عينا تطرف. ويقال إنه أمر أن يهيأ له ألف جذع، فقال هذا في شهر كذا، ومات بعد شهرين.»