تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما العلم فقد كان هناك علمان: علم ديني، وعلم دنيوي إن صح هذا التعبير؛ فأما العلم الدنيوي من فلسفة وطب ورياضة وفلك، فقد نما كذلك في كنف الخلفاء والأمراء والأغنياء، وقل أن تجد عالما في ذلك العصر في علم من هذه العلوم إلا كان له أمير أو غني يمده بمعونته، ولذلك كانوا نسبيا في سعة من العيش.

أما العلم الديني فقد كان الباعث عليه أخرويا غالبا، فنما وأزهر خارج القصور أيضا، كعلم التفسير والحديث، ومن أجل هذا أيضا لم يكن نمو هذا النوع من العلم وإزهاره قاصرا على العراق، بل تجده حيث الباعث الديني، في كل قطر وكل إقليم، فإذا أنت أرخت لعلوم القرآن وعلوم الحديث، أو علوم اللغة، أرخت لمصر والشام والحجاز كما أرخت للعراق، وتقرأ تراجم هؤلاء العلماء فترى في أكثرهم فقرا مدقعا، وبؤسا واضحا، ورضى بالقليل، وأمثلة ذلك لا تحصى.

وسيأتي عند الكلام في الحركة العلمية وصف ما كان لهؤلاء العلماء من جد في طلب، واحتمال نصب، وسفر بعيد، في فقر شديد؛ مما يدعو إلى الإعجاب، ويعد المثل الأعلى للحياة العلمية.

الفصل السادس

| حياة الزندقة وحياة الإيمان

كما قد رأينا في الفصل السابق حياة فيها لهو ومجون، ونعيم ورخاء، وحياة فيها جد وزهد وبؤس وشقاء؛ نرى في هذا الفصل ألوانا أخرى من الحياة؛ هي حياة القلب والعقل، والعاطفة والدين، فنرى صراعا بين الشك والزندقة والإلحاد، وبين الإيمان الخالص والاعتقاد الصادق. ويخيل إلينا ونحن نقرأ تاريخ هاتين الحركتين أننا في موقف قتال مستعر، تستخدم فيه كل وسائل الحروب؛ فخدع ومكايد ووسائل سرية أحيانا، ولجوء إلى السيف وسفك للدماء أحيانا، وعقد مجالس ومقارعة بالحجج أحيانا، ثم الحرب سجال؛ يوم ينتصر فيه الملحدون بما يثيرون من شكوك وأوهام، وبما يضللون من ناشئة وشبان، فإن عجزوا ظاهرا استعملوا طريق الغواية سرا، تحت مظهر التشيع، أو الغيرة على الإسلام أو نحو ذلك، ويوم ينتصر فيه المؤمنون فينكلون بالملحدين تنكيلا، ويوقعون بهم قتلا وتشريدا، ثم بما يؤلفون من كتب ينقضون شبههم، ويبطلون حججهم.

ولكن لم يعن المؤرخون بتسجيل هذه الحرب ووقائعها كما عنوا بتسجيل الحروب السياسية، إنما يعثر الباحث في ثنايا الكتب على نتف مبعثرة، قد يستطيع في عناء أن يؤلف منها وحدة، ويكون منها سلسلة متصلة الحلقات.

الزندقة:

نلاحظ في هذا العصر الذي نؤرخه تردد كلمة «الزندقة» على الألسنة، وكثرة اتهام الناس بها حقا وباطلا، وتنبه الرأي العام إلى هذا المعنى تنبها دقيقا؛ فهم يسمعون شعر الشاعر فسرعان ما يلتفتون إلى شيء فيه يتهمونه من أجله بالزندقة، أو يرون فعلا صدر من إنسان، أو كلمة قالها جدا أو هزلا، أو إشارة أشار بها فيرمونه بالزندقة.

1

ونحن إذا قارنا بين انتشار هذه الكلمة في العصر الأموي والعصر العباسي، وجدنا استعمال الكلمة في العصر الأموي قليلا نادرا، وفي العصر العباسي فاشيا شائعا؛ فمثلا اتهم عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدب الوليد بن يزيد بن عبد الملك بالزندقة في العصر الأموي، واتهم الوليد بن يزيد كذلك، ولكن هذا قليل نادر، أما في العصر العباسي فالأخبار بالزندقة مستفيضة، والمتهمون بها كثيرون.

والسبب في ذلك: أن الزندقة في بعض معانيها (وهو الشك أو الإلحاد) إنما تقترن عادة بالبحث العلمي، وهو في العصر العباسي أبين وأظهر، ذلك أن العلم الذي كان شائعا في العصر الأموي كان العلم الديني؛ من جمع للحديث وتفسير للقرآن الكريم، واستنباط الأحكام الشرعية منهما. وهذه لا تثير في النفوس شكوكا تبعث على الزندقة ، إنما الذي قد يثير هذه الشكوك مذاهب الكلام، والجدال الديني حول المسائل الأساسية في الأديان، والبحث الفلسفي على النحو الذي يبحثه أرسطو وأفلاطون في المادة والصورة، والجزء الذي لا يتجزأ والجوهر والعرض، وما إلى ذلك. وهذه الأشياء كانت قليلة في العصر الأموي، وهي وفيرة جدا في العصر العباسي.

ضحى الإسلام · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٥٢