أو مسجد بمعزل
عن الورى في ناحيه
تدرس فيه دفترا
مستندا بساريه
معتبرا بمن مضى
من القرون الخاليه
خير من الساعات في
فيء القصور العاليه
تعقبها عقوبة
تصلي بنار حاميه
فهذه وصيتي
مخبرة بحاليه
طوبى لمن يسمعها
تلك لعمري كافيه
فاسمع لنصح مشفق
يدعى أبا العتاهية
والناس يتنازعون أيهما أشعر، أبو نواس أم أبو العتاهية، وليسوا يفضلون أحدهما في الحقيقة استنادا إلى الناحية الفنية، وإنما كلاهما يمثل نزعة خاصة، وكل فريق يفضل من عبر عن نفسه، وجلى نزعته. •••
كان للحالة الاجتماعية التي ألممنا بها نتائج علمية وأدبية وفنية.
من ذلك: أن غزارة الأموال في يد الخلفاء والولاة ومن إليهم، ووفرة عطاياهم وقلة الأموال في يد سواهم؛ جعلت الفنون الجميلة ومنها الشعر لا تزهر إلا في أحضان الخلفاء ومن إليهم، وتذبل في غير جوهم. قد كان من المعقول أن يفيض شعور الرجل وتهيج عواطفه وتغلي نفسه فينطق بالشعر يهدئ من شعوره، ويخفف من غليانه، لا يرجو من ذلك إلا إرواء لعاطفته الفنية، وهذا هو كل مطمحه في الثواب. وكان من المعقول أن يجيد الفنان إشباعا لنهمه الفني، في فقر أو غنى، ورخاء أو شقاء، ولكن يظهر أن قليلا كان عندهم هذا السمو الفني، وأكثرهم رأى أن قليلا من الفن وأبياتا من الشعر إذا لوحظ فيها ذوق الممدوح لا ذوق الفن تدر عليه من الأموال ما لا يحلم به، وهو إذا أرضى عاطفته عاش عيشة كفاف، فاندفع يطلب هوى الخليفة أو الأمير، وسال السيل وجرى التيار كله، إلا القليل النادر، نحو القصور، يقفون بأبوابها الأيام والشهور، حتى يؤذن لهم، وأصبح الشعراء والفنانون أداة من أدوات الزينة، وطرفة جميلة تحلى بها الدور والقصور، ولهم في ذلك بعض العذر، فمن من هؤلاء يرى من هو أقل منه - شعرا وفنا - يعمل بيتين أو ثلاثة في مدح أمير فينال عشرة آلاف درهم، ثم تقوى نفسه وتسمو همته، ويترفع عن أن يسلك مسلكه ويجري مجراه؟ كذلك الشأن في الغناء، يقول الأصفهاني: إن مجموع ما أخذ إبراهيم الموصلي من الرشيد كان أكثر من مائتي ألف دينار.
84
ولا تكاد تقرأ صفحة من الأغاني حتى تجد فيها شاعرا يمدح، وألوفا تمنح! ومهما كان في هذه القصص من المبالغة فالأساس صحيح.
كان من نتائج هذا أن أصبح أكبر مجرى يصب فيه الشعر هو المديح، وهو باب أبعد ما يكون في نظرنا عن الشعر الصحيح، وتعاقب الشعراء يصوغون معانيه السائغة وغير السائغة، حتى ارتشفوا آخر نقطة منها، بينما الأبواب الأخرى من وصف عاطفة سامية، وتحليل لشعور بجمال الطبيعة وجمال الزهور، ونحو ذلك لم تمس إلا مسا رقيقا.
وكان من نتائج هذا أيضا أن مؤرخ الأدب والفن في هذا العصر يكاد لا يؤرخ إلا العراق، فأما مصر والشام والحجاز فأدبها أدب خفيف، وفنها لا يكاد يؤبه له، وكل نابغ في شعر أو فن لا يجد مشتريا لسلعته إلا العراق.
ونرى أن الأدب أصبح يمثل هاتين النزعتين البارزتين خير تمثيل؛ نزعة اللهو، ونزعة الزهد، فأما نزعة اللهو فما قيل في الخمر والنسيب وما إليهما، وتجد ذلك في دواوين الشعراء أمثال أبي نواس ومسلم بن الوليد، وفي كتاب الأغاني. وأما نزعة الزهد؛ فما قيل في الموت والبعث والحساب، وما قيل في حياة الزهاد ومأثور قولهم وفعلهم. وعقدت الفصول الطوال تشرح نفسيتهم وتروي حكمهم؛ فنرى الجاحظ في الجزء الثالث من كتاب البيان والتبيين يضع كتابا يعنونه «كتاب الزهد» يقول في أوله: «نبدأ باسم الله وعونه بشيء من كلام النساك في الزهد، وبشيء من ذكر أخلاقهم ومواعظهم.» وصارت هذه الأقوال والقصص تغذي هذا الفريق من الناس الذين زهدوا في الحياة، وأصبحنا نرى المؤلفين في الأدب بعده ينسجون على منواله، ويجعلون باب الزهد ركنا من أركان الأدب؛ فابن قتيبة يخصص كذلك بابا للزهد في كتابه عيون الأخبار، وابن عبد ربه في العقد الفريد وهكذا، وتقرأ هذه الفصول فتراها تمثل حياة هي على النقيض من اللهو.