80
أنتجت هذه الحياة التي وصفنا من رفاهية قوم وبؤس آخرين، ولهو قوم وجد آخرين؛ حركتين ظاهرتين في تاريخ هذا العصر:
أولاهما: ظهور فرقة المتطوعة للنكير على الفساق ببغداد. يقول الطبري في سبب ظهورهم: «إن فساق الحربية
81
والشطار الذين كانوا ببغداد والكرخ آذوا الناس أذى شديدا وأظهروا الفسق، وقطع الطريق، وأخذ الغلمان والنساء من الطرق، لا سلطان يمنعهم، ولا يقدر على ذلك منهم، لأن السلطان كان يعتز بهم، وكانوا بطانته فلا يقدر أن يمنعهم من فسق يركبونه. فلما رأى الناس ذلك، وما قد أظهروا من الفساد في الأرض والظلم والبغي وقطع الطريق، وأن السلطان لا يغير عليهم قام صلحاء كل ربض، وكل درب فمشى بعضهم إلى بعض ... إلخ.»
وكان لهذه الحركة زعيمان، لكل زعيم برنامج، فأما أحدهما: وهو خالد الدريوش فبرنامجه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولكنه لا يثور على السلطان، فهو يطلب الإصلاح، ويتولاه في حدود الطاعة للحكومة، والزعيم الآخر : سهل بن سلامة الأنصاري، برنامجه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر كذلك، والعمل بكتاب الله وسنته، ومقاتلة من خالفه، كائنا من كان، سلطانا أو غيره. ويقول الطبري: إنه تبعهما خلق كثير وكان كل من أجاب سهلا هذا عمل على باب داره برجا بجص وآجر ونصب عليه السلاح والمصاحف، وكان ذلك سنة 201 وسنة 2020ه وقد انتهى أمرهما بالقبض عليهما وحبسهما.
82
وظاهر أن الذي دعا إلى هذه الحركة كما يقول ابن خلدون: «توافر أهل الدين والصلاح على منع الفساق وكف عاديتهم.» وقد استمرت هذه الحركة تبدو حينا وتخمد حينا، فقد جاء بعدهم فرقة الحنابلة تدعو كذلك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يطول ذكره.
ثانيتهما: حركة الزهد؛ ذلك أن قوما يئسوا من الغنى، ورأوا أن نفوسهم لا تطاوعهم للقرب من ذوي الجاه، أو حاولوا ذلك ففشلوا فلجئوا إلى القناعة يرضون أنفسهم عليها، وقالوا: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون!
وقوما عافت نفوسهم ما رأت من شهوات لا حد لها، ورأوا أن النفس إذا نالت ما طمحت تفتحت أمامها شهوات وشهوات، وللوصول إلى كل شهوة متاعب وعقبات، ففضلوا أن يقمعوها، وقالوا مع القائل:
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى
فإن أهملت تاقت وإلا استقرت
أو مع الآخر:
والنفس راغبة إذا رغبتها
وإذا ترد إلى قليل تقنع
وقوما يئسوا من حب، أو صدموا صدمة عنيفة في منصب أو جاه أو مال؛ فلم يجدوا إلا الزهد يركنون إليه ويأنسون به، ويتسلون به عما فقدوا.
وكثيرا زهدوا تدينا لما في الزهد من خفة المؤونة، وسهولة الحساب، يقولون كما قال محمد بن واسع: «يعجبني أن يصبح الرجل وليس عنده غداء، ويمسي وليس له عشاء، وهو مع ذلك راض عن الله!» صرفوا نفوسهم عن الشهوات، وأكثروا من ذكر الموت والقبور، وعدوا أنفسهم في الموتى، وآثروا ما يبقى على ما يفنى، ورفضوا أن يمدوا أيديهم لأخذ عطاء من خليفة أو وال، وقدموا بالقليل، كالذي فعل إبراهيم بن إسحاق الحربي؛ عاش أكثر عمره على كسر يابسة وملح، وربما عدم الملح ، ورفض أن يأخذ ألف دينار بعث بها إليه المعتضد، وأنفق مرة في شهر رمضان كله درهما وأربعة دوانيق ونصفا.
83
كل هذه الأصناف كان منها في العصر الذي نؤرخه، وكما كان بشار وأبو نواس وأضرابهما يمثلون نزعة اللهو، ويضرمون نارها كان أبو العتاهية يعبر عن نزعة الزهد، ويروي نخلة الزاهدين؛ فإن قال أبو نواس في الدعوة إلى اللهو:
جريت مع الهوى طلق الجموح
وهان علي مأثور القبيح
وجدت ألد عارية الليالي
قران النغم بالوتر الفصيح
ومسمعة متى ما شئت غنت
متى كان الخيام بذي طلوح
تمتع من شباب ليس يبقى
وصل بعرى الغبوق عرى الصبوح
قال أبو العتاهية:
رغيف خبز يابس
تأكله في زاويه
وكوز ماء بارد
تشربه من صافيه
وغرفة ضيقة
نفسك فيها خاليه