كانت بغداد تعج بأرباب الأموال لما يجدون فيها من عيش رغد وهناءة ونعيم.
أعاينت في طول من الأرض والعرض
كبغداد دارا أنها جنة الأرض؟
صفا العيش في بغداد واخضر عوده
وعيش سواها غير صاف ولا غض
تطول بها الأعمار إن غذاءها
مريء وبعض الأرض أمرأ من بعض
72
فأما الفقراء وذوو الحاجة فضاقت عليهم بغداد بما رحبت، ولم يستطيعوا العيش فيها ولا المقام بها:
بغداد دار طيبها آخذ
نسيمها منى بأنفاسي
تصلح للموسر لا لامرئ
يبيت في فقر وإفلاس
لو حلها قارون رب الغنى
أصبح ذا هم ووسواس
هي التي نوعد لكنها
عاجلة للطاعم الكاسي
وأرى المكاسب نزرة
وأرى الضرورة فاشيه
وأرى غموم الدهر را
ئحة تمر وغادية
وأرى اليتامى والأرا
مل في البيوت الخالية
من بين راج لم يزل
يسمو إليك وراجيه
يشكون مجهدة
بأصوات ضعاف عاليه
يرجون رفدك كي يروا
مما لقوه العافيه
من يرتجى للناس
غيرك للعيون الباكية
من مصبيات جوع
تمسي وتصبح طاوية
من يرتجى لدفاع كر
ب ملمة هي ماهية
من للبطون الجائعا
ت للجسوم العارية
يا ابن الخلائف لا فقد
ت ولا عدمت العافية
إن الأصول الطيبا
ت لها فروع زاكية
ألقيت أخبارا إليك
من الرعية شافية
73 •••
كان المال عرضة أن يأتي في طرفة عين، ويذهب في طرفة عين؛ ذلك لأن عطاء الخلفاء والأمراء والولاة إذ ذاك كان لا يقف عند حد، ومصادرتهم للأموال لا تقف كذلك عند حد، قد يعجب أحدهم من غمة المغني، أو بيت الشعر أو الكلمة الطيبة، أو الجواب الحسن فيهب الألوف، وقد يكره ذلك فيهدر الدم، ويصادر المال!
وصف العتابي هذه الحالة في عصره فقد سئل: لم لا تتقرب بأدبك إلى السلطان؟ فقال: «لأني رأيته يعطي عشرة آلاف في غير شيء، ويرمي من السور في غير شيء، ولا أدري أي الرجلين أكون!»
74
والمفضل الضبي يدعوه رسول المهدي، فيخاف ويتوهم السعاية به، ثم يتطهر ويلبس ثوبين استعدادا للموت فإذا مثل بين يديه سلم فرد عليه، فلما سكن جأشه سأله عن أي بيت قالته العرب أفخر، ثم سأله مسائل أخرى، فلما أحسن الجواب سأله عن حاله فشكا إليه دينه فأمر لهم بثلاثين ألف درهم.
75
وحكى الجاحظ في كتابه الحيوان: أن أبا أيوب المورياني وزير المنصور بينا هو جالس في أمره ونهيه إذ أتاه رسول أبي جعفر فامتقع لونه، وطارت عصافير رأسه، وذعر ذعرا نقض حبوته، واستطار فؤاده، ثم عاد طلق الوجه، فتعجبنا من حاله وقلنا له: إنك لطيف الخاصة، قريب المنزلة، فلم ذهب بك الذعر واستفزعك الوجل؟ فقال: سأضرب لكم مثلا من أمثال الناس: زعموا أن البازي قال للديك: ما في الأرض شيء أقل وفاء منك! قال: كيف؟ قال: أخذك أهلك بيضة فحضنوك، ثم خرجت على أيديهم فأطعموك على أكفهم، حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت هاهنا وهاهنا وضججت وصحت، وأخذت أنا من الجبال فعلموني، وألفوني، ثم يخلى عني فآخذ صيدي في الهواء فأجيء به إلى صاحبي! فقال له الديك: إنك لو رأيت من البزاة في سفافيدهم مثل ما رأيت من الديوك، لكنت أنفر مني. ولكنكم أنتم لو علمتم ما أعلم لم تتعجبوا من خوفي مع ما ترون من تمكن حالي.»
76
ولما قتل المأمون الفضل بن سهل عرضت الوزارة على أحمد بن أبي خالد فأبى، وقال: لم أر أحدا تعرض للوزارة وسلمت حاله.
77 «وكانوا يرفعون الأخبار إلى المأمون ولو لم تصح بالعدول، ويقول صاحب الخبر: لو لم نرفع إلا ما يثبت بالعدول لم يتهيأ ذلك في السنة إلا مرة أو مرتين.»
78
ودعي محمد بن الحارث بن بسخنر إلى الواثق في يوم لم يكن يدعى فيه فقال: داخلني فزع شديد وخفت أن يكون ساع قد سعى بي، أو بلية قد حدثت في رأي الخليفة علي، فتقدمت بما أردت.» إلخ، وكانت النتيجة أن غناه فأمر له بعشرة آلاف درهم وتخوت.
79
ووشي برجل يقال له «الفضيل بن عمران» إلى أبي جعفر المنصور، وكان المنصور جعله كاتب ابنه جعفر وولى أمره، وشي به أنه يعبث بجعفر، فبعث المنصور برجلين، وأمرهما أن يقتلا الفضيل حيث وجداه، وكتب إلى جعفر يعلمه أمرهما به وقال: لا تدفعا الكتاب إلى جعفر حتى تفرغا من قتله، فضربا عنقه! وكان الفضيل رجلا عفيفا دينا! فقيل للمنصور: إن الفضيل كان أبرأ الناس مما رمي به، وقد عجلت عليه. فوجه رسولا وجعل له عشرة آلاف درهم إن أدركه قبل أن يقتل. فقدم الرسول قبل أن يجف دمه، وقد استنكر ذلك جعفر وقال لمولاه سويد: «ما يقول أمير المؤمنين في قتل رجل عفيف دين مسلم بلا جرم ولا جناية؟ فقال سويد: هو أمير المؤمنين يفعل ما يشاء وهو أعلم بما يصنع.» إلخ.