تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1 ». واشتهر أهل السند بالصيرفة، والعلم بالعقاقير. يقول الجاحظ: «إن السند لهم طبيعة في الصرف، لا ترى بالبصرة صيرفيا إلا وصاحب كيسه سندي، واشترى محمد بن السكن أبا رواح السندي، فكسب له المال العظيم، وقل صيدلاني عندنا، إلا وله غلام سندي، فبلغوا أيضا في الخبرة، والمعرفة بالعقاقير، وفي صحة المعاملة، واجتلاب الحرفاء مبلغا حسنا»،

2

واشتهر أهل مرو، وخراسان بالبخل؛ حتى قال في العقد الفريد: «أجمع الناس على بخل أهل مرو، ثم أهل خراسان؛ قال ثمامة بن أشرس: ما رأيت الديك قط في بلدة إلا وهو يدعو الدجاج، ويثير الحب إليها، ويلطف بها. إلا في مرو، فإني رأيته يأكل وحده! فعلمت أن لؤمهم في المأكل. ورأيت في مرو طفلا صغيرا في يده بيضة، فقلت له: أعطني هذه البيضة! فقال: ليس تسع يدك؛ فعلمت. أن اللؤم والمنع فيهم بالطبع المركب، والجبلة المفطورة.»

3

واشتهر اليمانون بالعشق، والحجازيون بالدل،

4

كما اشتهر العراقيون بالظرف. قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:

إن قلبي بالتل تل عزاز

5

مع ظبي من الظباء الجوازي

شادن، لم ير العراق، وفيه

مع ظرف العراق دل الحجاز

وعدد الجاحظ مزايا كل أمة في عصره، فقال: «ميزة سكان الصين الصناعة، فهم أصحاب السبك، والصياغة، والإفراغ، والإذابة، والأصباغ العجيبة، وأصحاب الخرط، والنحت، والتصاوير، والنسج. واليونانيون يعرفون العلل، ولا يباشرون العمل، وميزتهم الحكم والآداب. والعرب لم يكونوا تجارا ولا صناعا، ولا أطباء، ولا حسابا، ولا أصحاب فلاحة، فيكونوا مهنة. ولا أصحاب زرع لخوفهم من صغار الجزية ... ولا طلبوا المعاش من ألسنة المكاييل، ورءوس الموازين، ولا عرفوا الدوانيق، والقراريط. فحين حملوا حدهم، ووجهوا قواهم إلى قول الشعر، وبلاغة المنطق، وتشقيق اللغة، وتصاريف الكلام وقيافة البشر، بعد قيافة الأثر، وحفظ النسب والاهتداء بالنجوم، والاستدلال بالآثار، وتعرف الأنواء، والبصر بالخيل، والسلاح، وآلة الحرب، والحفظ لكل مسموع، والاعتبار بكل محسوس، وإحكام شأن المناقب، والمثالب - بلغوا في ذلك الغاية. وميزة آل ساسان في الملك والسياسة، والأتراك في الحروب ... وليس في الأرض كل تركي كما وصفنا. كما أنه ليس كل يوناني حكيما، ولا كل صيني في غاية من الحذق. ولا كل أعرابي شاعرا، قائفا. ولكن هذه الأمور في هؤلاء أعم وأتم. وفيهم أظهر وأكثر.»

6

وقال في موضع آخر في الكلام على الزنج: «وهم أطبع الخلق على الرقص، والضرب بالطبل؛ على الإيقاع الموزون، من غير تأديب، ولا تعليم. وليس في الأرض أحسن حلوقا منهم.»

7 «واشتهر الهند بالحساب، وعلم النجوم، وأسرار الطب، والخرط، والنجر، والتصاوير، والصناعات الكثيرة العجيبة.»

8

كذلك كانوا يختلفون في الأهواء، والميول السياسية، يوضح ذلك ما رواه ابن قتيبة: «قال محمد بن علي بن عبد الله بن عباس لرجال الدعوة حين اختارهم للدعوة، وأراد توجيههم: أما الكوفة وسوادها، فهناك شيعة علي بن أبي طالب. وأما البصرة فعثمانية تدين بالكف، وتقول: كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل. وأما الجزيرة فحرورية مارقة، وأعراب كأعلاج، ومسلمون في أخلاق النصارى. وأما أهل الشام؛ فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان، وطاعة بني مروان؛ عداوة لنا راسخة وجهلا متراكما. وأما أهل مكة والمدينة؛ فقد غلب عليهما أبو بكر وعمر. ولكن عليكم بخراسان فإن هناك العدد الكثير، والجلد الظاهر ، وصدورا سليمة، وقلوبا فارغة، لم تتقسمها الأهواء، ولم تتوزعها النحل، ولم تشغلها ديانة، ولم يتقدم فيها فساد، وليست لهم اليوم همم العرب، ولا فيهم كتحازب الأتباع بالسادات، وكتحالف القبائل، وعصبية العشائر. ولم يزالوا يذلون، ويمتهنون، ويظلمون ويكظمون، ويؤملون الدول، وهم جند لهم أجسام وأبدان، ومناكب وكواهل، وهامات ولحى وشوارب، وأصوات هائلة، ولغات فخمة تخرج من أفواه منكرة.»

ضحى الإسلام · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤