68
أصبح الآن في العصر العباسي لاهيا، بل هو محط أنظار اللاهين، وسائر الأمصار إنما تقتبس من لهوه.
والسبب في ذلك أمور أهمها - على ما يظهر - شيئان؛ الأول: المال؛ فالعراق كان مصب أموال المملكة الإسلامية الغنية - بحكم أنه مركز الخلافة - والمال كل شيء في اللهو يتبعه حيث يكون الترف، وإنما يكون الترف حيث يكون المال، والعراق أكثر البلدان مالا، وأعزه جاها، وكل نابغ في فن - ومنه الأدب - إنما ينفق سوقه في العراق، ومن نبغ في غيره ولم يرحل إليه خمل ذكره، وضاع فنه، فأي مغن مشهور لم يكن في العراق؟ وأي نابغة في الشعر لم يكن في العراق؟ وأي جارية امتازت بجمال أو غناء لم تكن في العراق؟
والسبب الثاني: أن العراق كان أكثر بلاد الله خليطا، فقديما تعاقبت عليه أمم مختلفة، ومدنيات متتابعة، وفي العصر العباسي كان حاضرة الخلافة، وكان مقصد الأمم. وكان مسكن العنصر الأرستقراطي من الفرس، وكان محط الراحلين من الهند والروم وغيرهم. وكان يجلب إليه أحاسن الرقيق من كل جنس، ولهؤلاء جميعا تاريخ في اللهو، وإمعان في الحضارة، وتفنن في التر ف، فلما حلوا بالعراق ووجدوا السبل ممهدة عرضت كل أمة فنها، وأنواع حضارتها، فكان من ذلك معرض عام أخذ العراق من كل شيء منه بحظ وافر، وأخذت البلدان الأخرى من العراق بقبس. •••
ولكن من الحق أن نقول: إن هذا الوصف الذي وصفنا ليس حال الناس جميعهم، فما كانوا كلهم أغنياء ولا كلهم هازلين، وما كان ذلك لأمة من الأمم في أي عصر من العصور، وما كان العالم الإسلامي كله هو العراق وملاهيه، ولا كان العراق كله يحيا هذه الحياة؛ فإن أنت قرأت كتاب الأغاني، وتنقلت في صحفه من ضرب من اللهو إلى ضرب، أو قرأت ديوان أبي نواس فرأيت أكثره خمرا ومجونا، فلا تظن أن ذلك يمثل حياة العصر بأجمعها، إنما هو يمثل ناحية واحدة من نواحيها المتعددة، ووجوهها المختلفة، وعذر الأغاني أنه ألف في طبقات المغنين، والمغنون في كل عصر موطن اللهو وبيئة المجون.
على أننا نريد أن ننبه على أمر فطن له ابن خلدون وهو: وضع الأخبار الكاذبة في الملاذ تقربا إلى الكبراء، فكانوا يبالغون في أخبار الملاهي ليغروهم عليها، وليكسبوا هم من وراء ذلك مالا أو جاها أو نحوهما.
حور وولدان ومن كل ما
تطلبه فيها سوى الناس!
ويقول آخر:
أذم بغداد والمقام بها
من بعد ما خبرة وتجريب
ما عند سكانها لمختبط
خير ولا فرجة لمكروب
69
يحتاج باغي المقام بينهمو
إلى ثلاث من بعد تتريب
كنوز قارون أن تكون له
وعمر نوح وصبر أيوب
كما كرهها جماعة من أهل الورع والصلاح والزهاد، وعلتهم في الكراهية ما عاينوا بها من الفجور والظلم والعسف، وكان بعض الصالحين إذا ذكرت عنده بغداد يتمثل:
قل لمن أظهر التنسك في النا
س وأمسى يعد في الزهاد
الزم الثغر والتواضع فيه
ليس بغداد منزل العباد
إن بغداد للملوك محل
ومناخ للقارئ الصياد
70
ويقول بشر بن الحارث: «بغداد ضيقة على المتقين؛ لا ينبغي لمؤمن أن يقيم بها.»
71 •••
كانت كثرة الأموال بالعراق ووفرة ما يحمل إليها من خراج الأقطار سببا في ارتفاع الأسعار، وذلك إن احتمله الأغنياء فإنه يبئس الفقراء، وقد شكا أبو العتاهية ذلك، وصوره تصويرا دقيقا فقال:
من مبلغ عني الإما
م نصائحا متواليه
إني أرى الأسع
ار أسعار الرعية عالية
لم تكن أموال الدولة موزعة توزيعا متفاوتا ، ولا كانت الفروق بين الطبقات فروقا طفيفة، إنما كانت هناك هوات سحيقة بين الطبقات، فكثير من مال الدولة ينفق على قصور الخلافة والأمراء ورؤساء الأجناد وعمال الدولة، وهم ينفقون جزافا على المقربين من أدباء وعلماء ومغنيين وجوار، وأتباع وطبقة تجار ومن إليهم، وهؤلاء في درجة من الثروة دون الأولى، وعامة الشعب يفشو فيهم الفقر والبؤس. كانت بغداد تعجب أرباب الأموال لما يجدون فيها من عيش رغد وهناءة ونعيم: