تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

م تصغي إليها بأسرارها

وفواره ثأرها في السماء

فليست تقصر عن ثأرها

إذا أوقدت نارها بالعراق

أضاء الحجاز سنا نارها

ترد على المزن ما أنزلت

على الأرض من صوب أقطارها

لها شرفات كأن الربيع

كساها الرياض بأنوارها

ويصف أحدهم شيئا من قصر الواثق فيقول: «لم يزل الخدم يسلمونني من خدم إلى خدم، حتى أفضيت إلى دار مفروشة الصحن، ملبسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب، ثم أفضيت إلى رواق أرضه وحيطانه ملبسة بمثل ذلك، وإذا الواثق في صدره، على سرير مرصع بالجوهر، وعليه ثياب منسوجة بالذهب، وإلى جانبه «فريدة» جاريته، عليها مثل ثيابه، وفي حجرها عود.» إلخ.

52

وبالغوا في الموائد وتنسيقها، وألوان طعومها، فوصف العماني الشاعر ما أكل على مائدة محمد بن سليمان بن علي، فقال:

جاءوا بفرني لهم ملبون

بات يسقى خالص السمون

53

مصومع أكوم ذي غضون

قد حشيت بالسكر المطحون

ولونوا ما شئت من تلوين

من بارد الطعام والسخين

ومن شراسيف ومن طردين

ومن هلام ومصيص جون

54

ومن أوز فائق سمين

ومن دجاج فت بالعجين

فالشحم في الظهور والبطون

وأتبعوا ذلك بالجوزين

وبالخبيص الرطب واللوزين

وفكهوا بعنب وتين

والرطب الأزاذ والهيرون

55

ويقول أبو العتاهية: دعيت إلى بيت مخارق (أحد المغنين) فجئته، فأدخلني بيتا نظيفا فيه فرش نظيف، ثم دعا بمائدة عليها خبز سميذ، وخل وبقل وملح، وجدي مشوي فأكلنا منه، ثم دعا بسمك مشوي فأصبنا منه حتى اكتفينا، ثم دعا بحلواء فأصبنا منها وغسلنا أيدينا وجاءونا بفاكهة وريحان، وألوان

56

من الأنبذة فقال: اختر ما يصلح لك منها، فاخترت وشربت.»

57

وكان ذلك قبل أن يتزهد.

وقل ما شئت في مجالس اللهو والشراب، وما كان يجري فيها من خلاعة ومجون امتلأ بوصفها كتاب الأغاني، ودواوين الشعراء مثل بشار، وأبى نواس، ومسلم بن الوليد.

58

أولعوا بالغناء وتفننوا فيه، وأبدعوا في مجالسه من ملح وتنادر وشراب، وغير ذلك، وذهبوا فيه مذهبين جديد وقديم، وتعصب كل فريق لمذهب.

59

ولعبوا بالنرد والشطرنج وغلوا فيهما

60

وعنوا بتربية الحمام، وتغالوا في أثمانه،

61

وتهارشوا بالديوك والكلاب،

62

ولعب أبو نواس بالكلاب زمانا حتى عرف منها ما لا تعرفه الأعراب،

63

وانتشر القمار حتى في حانات الفقراء

64

وأولعوا بالنقش والتصوير فكثر رسم الصور على الكأس كما في شعر بشار وأبى نواس، ورثى أبو الشبل مسرجة له مصورة تصويرا بديعا كسرها كبش له،

65

وأغربوا في الهدايا يوم النيروز يبدعون فيها نقشا وتصويرا. ورقصوا فكان إسحاق بن إبراهيم الموصلي يجيد الرقص، واشتهر في عصره بالرقص جماعة.

66

وأحبوا البساتين وأكثروا الخروج إليها، والأزهار يزينون بها موائدهم، ويتغزلون في لونها وعبيقها،

67

إلى كثير من أمثال ذلك.

كثر النعيم، وكثر العنصر الفارسي العريق في المدينة، الممعن في الترف، وكثر الجواري يجلبن من الأصقاع المختلفة، وكثر الجمال وسفر؛ إذ لم تكن عامة الإماء يطالبن بحجاب، فقويت النزعة إلى اللهو والخلاعة والمجون التي وصفنا، وشعر قوم من الشعراء بهذه النزعة من الناس أمثال بشار وصريع الغواني وأبي نواس، فقادوا زمامها وألهبوها ، وسهلوا السبيل لها.

إن سكر القوم شعروا بالحاجة إلى أبيات من الشعر تروي عاطفتهم، وتزين لهم عملهم، وتحملهم على المضي في شربهم؛ رأوا في شعر هؤلاء إرواء لغلتهم، وإن تشببوا في فتاة أو غير فتاة فشعر الشعراء كفيل أن يجدوا فيه بغيتهم في صريح من القول غير كناية، وبشار يخصص يومين في الأسبوع للمتطرفات من النساء يأخذن عنه شعره الماجن، وينشرنه في الناس.

فلا عجب إن رأينا الحياة لاهية لاعبة، ورأينا شعر الشعراء في ذلك العصر إلا القليل منهم داعرا فاجرا.

وهنا ظاهرة واضحة، وهو أن هذا العراق الذي كان في العصر الأموي جادا إذا قيس بغيره من الشام والحجاز

ضحى الإسلام · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤٧