تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

39

ويظهر أن الإمام أبا حنيفة في هذا كان يتبع الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود؛ فقد علمت من قبل

40

أن ابن مسعود كان إمام مدرسة العراق، وعلمت مقدار الارتباط بين فقه أبي حنيفة وابن مسعود، ودليلنا على ذلك: ما رواه صاحب العقد عن ابن مسعود من أنه: كان يرى حل النبيذ، حتى كثرت الروايات عنه، وشهرت وأذيعت واتبعه عامة التابعين من الكوفيين، وجعلوه أعظم حججهم، وقال في ذلك شاعرهم:

من ذا يحرم ماء المزن خالطه

في جوف خابية ماء العناقيد؟

إني لأكره تشديد الرواة لنا

فيه، ويعجبني قول ابن مسعود

41

على كل حال كان هناك جدال شديد بين الفقهاء في النبيذ كالذي كان بينهم في الغناء؛ فابن أبي ليلى يحرم النبيذ ويجادل فيه أبا حنيفة، وأبو حنيفة يرد عليه، وعبد الله بن إدريس كان الوحيد بين فقهاء الكوفة يحرم النبيذ فيرد عليهم ويردون عليه ... إلخ

42

ولما كان كثير من فقهاء العراق يرون حل النبيذ اشتهر العراقيون بحل النبيذ؛ فقال شاعرهم:

رأيه في السماع رأي حجازي

وفي الشراب رأي أهل العراق

43

وانتقل هذا الجدل إلى الأدباء والشعراء، وأخذوا يتلاعبون بهذه الآراء، فقال بعضهم: «أباح أهل الحرمين الغناء وحرموا النبيذ، وأباح أهل العراق النبيذ وحرموا الغناء فأوجدونا في الرخصة فيهما عند اختلافهما إلى أن يقع الاتفاق».

44

وقال ابن الرومي:

أباح العراقي النبيذ وشربه

وقال: حرامان المدامة والسكر

وقال الحجازي: الشرابان واحد

فحل لنا من بين قوليهما الخمر

سآخذ من قوليهما طرفيهما

وأشربها لا فارق الوازر الوزر

45

وعلى الجملة فإن كثيرا اتخذوا هذه الآراء تكئة يصلون بها إلى أغراضهم، ولم تكن هي الباعث على شربهم؛ فإنهم لم يقفوا عند النوع الذي حللوه، ولا القدر الذي أباحوه، فليس من فقيه أباح أي نوع من النبيذ إلى حد الإسكار، ولكنها خلاعة الأدباء، وتظرف الشعراء.

أما أبو نواس وشيعته فلم يركنوا إلى هذا الضرب من الحيل بل جاهروا بها مع الإقرار بتحريمها، وقال زعيمهم (أبو نواس):

فإن قالوا حرام قل حرام

ولكن اللذائذ في الحرام

وقال:

ألا فاسقني خمرا، وقل لي هي الخمر

ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر •••

قلد الأغنياء والخاصة قصور الخلفاء، وعاشوا عيشة بذخ وترف، بل زادوا في لهوهم، لما تقتضيه طبيعة مجالس الخلفاء من حشمة ووقار لا يلتزمها غيرهم من الأغنياء.

فقد كثر أولاد الخلفاء وأقاربهم، وأحصي ولد العباس من رجال ونساء وصغار وكبار، فكان عددهم أيام المأمون ثلاثة وثلاثين ألفا،

46

وكانوا ممتازين في رقتهم وجمالهم: «كان يقال: انتهى جمال ولد الخلافة إلى أولاد الرشيد، ومن أولاد الرشيد إلى محمد وأبي عيسى، وكان أبو عيسى إذا عزم على الركوب جلس الناس له حتى يروه أكثر مما يجلسون للخلفاء.»

47

وقد أولع كثير من أفراد هذا البيت بالغناء والفنون الجميلة؛ فعلية بنت المهدي كانت «من أحسن الناس وأظرفهم، تقول الشعر الجيد، وتصوغ فيه الألحان والإيقاعات، وأطبعهم في الغناء، وأحسنهم صوتا.»

48

ثم أبو عيسى بن هارون الرشيد المشهور (كما أسلفنا) بجماله: «كان أحسن الناس وجها ومجالسة وعشرة، وأمجنهم وأحدهم نادرة وأشدهم عبثا»

49

وسبب موته: أنه كان يحب صيد الخنازير، فوقع عن دابته فلم يسلم دماغه.»

50

وتبعهم في ذلك أولاد الخاصة؛ فقد كان حفيد الفضل بن الربيع (وزير الرشيد)، وهو عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع مغنيا ماهرا، وماجنا مستهترا

51

يصطبح في حدائق النرجس، ويعيش عيشة لهو وخلاعة. وأمثالهم كثيرون يطول ذكرهم. وسرت العدوى من أولاد الأغنياء إلى الطبقة الوسطى؛ فكانوا يحتذون حذوهم، ويسيرون على منهاجهم.

تفننوا في فن العمارة، وأجادوا تشييد القصور، ووصفها ابن الجهم فقال:

صحون تسافر فيها العيون

وتحسر عن بعد أقطارها

وقبة ملك كأن النجو

ضحى الإسلام · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤٦