33
جاء المأمون بعد الأمين، ولكن لم تكن شهوات المأمون وملاهيه كشهوات الأمين وملاهيه. لهو الأمين لهو شاب غر رأى سلطانا ومالا، وليس له عقل ناضج، فأنفق كل وقته في إرواء شهوته. وأما المأمون فرجل حنكته التجارب، وعلمه (ما قاسى من الأهوال في الحروب وما تحتاج المملكة من خلق جديد) الحزم والبصر بالأمور، ثم كان له ملاذ عقلية تشغل وقته، فهو يحب الكتب ويحب الفلسفة، ويحب الجدل في المسائل الدينية والفقهية، وحوله العلماء من كل نوع يباحثهم ويجادلهم، وهو مع ذلك يلهو لهوا خفيفا فيشرب النبيذ،
34
ويقيم بعد قدومه بغداد عشرين شهرا لا يسمع ثم يسمع،
35
وكان يزين مجلسه ويغنيه إسحاق الموصلي، كما كان أبوه إبراهيم الموصلي يزين مجلس أبيه الرشيد، قربه المأمون وأعلى شأنه، وكذلك قرب إليه عمه إبراهيم بن المهدي وكان مبدعا في غنائه.
وكان الناس قد تجرعوا غصص البؤس أيام الفتن بين الأمين والمأمون، وخربت بغداد، وعم البؤس والشقاء فما عادت السكينة حتى شعروا أنهم في حاجة أن يعوضوا ما فقدوا، فلهوا وأفرطوا.
هذه ناحية من نواحي القصور شرحناها لما كان لها من أثر كبير في الفن والأدب. ولها نواح أخرى مختلفة؛ فناحية سياسية ليست تهمنا في موضوعنا، وناحية علمية من تشجيع للعلم، وإنفاق للمال في سبيله، وعقد مجالس للجدل والمناظرات، وبذل الجهد في تحصيل الكتب، وإنشاء دورها والعمل على ترجمتها، وكان من أعظم الخلفاء أثرا في ذلك المنصور والرشيد والمأمون، وهذه الناحية سنوضحها عند الكلام في الحركة العلمية. •••
وإذ كثر القول في الشراب، وروينا ما قال ابن خلدون من أن بعض الخلفاء كانوا يشربون النبيذ لا الخمر، وشاع أن فقهاء العراق يرون حل النبيذ، وكان لهذا القول أثر في الأدب؛ كان لا بد لنا من كلمة في الشراب.
كثر الشراب عند العرب، وتعددت أنواعه، وقد كانوا يأخذون عمن جاورهم من الأمم الأخرى أنواعا من الشراب، وألوانا من عاداته؛ فقد أخذ أهل الشام عن الروم نوعا من الخمر ممزوجا بالعسل، ونقلوا اسمه الرومي (وهو «الرساطون
Rosatun »)، ولم يكن يعرفه عرب الحجاز،
36
كما أخذ بعض الأمويين عن الفرس شرابا اسمه «الهفنجة»، كانوا يشربونه سبعة أسابيع في بعض منازل القمر، فشربه الوليد بن يزيد كذلك.
37
وهكذا كان للأمم أشربة وعادات في الشراب أخذت تتسرب إلى المسلمين، فلما جاء العباسيون تفننوا في أنواعه، وفي مجالسه والمنادمة عليه.
وقف الإسلام يحارب الخمر، ويحرم السكر، ونزلت الآية:
يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون .
ومع هذا فنرى أن أسئلة أثيرت حول هذه الآية الكريمة: ما المراد بالخمر؛ أهي عصير العنب وحده، أم كل مسكر خمر؟ وما هو القدر المحرم؟ أكل نوع مما يسكر كثيره فقليله حرام، أم بعض الأنواع يحل قليله؟ وظهرت في عالم الفقه مسألة النبيذ هل يحل أو لا يحل، وما القدر الذي يحل؟ وظهر هذا الخلاف من عهد الصحابة فمن بعدهم، ورأينا عمر بن عبد العزيز في العهد الأموي يشعر بخطر هذا الخلاف في النبيذ وضرره، فيصدر كتابا إلى الأمصار يحرم فيه النبيذ،
38
إلى أن كان عصر الأئمة فكان بينهم الخلاف السابق، فذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل إلى سد الباب بتاتا، ففسروا الخمر في الآية السابقة بما يشمل جميع الأنبذة المسكرة من نبيذ التمر والزبيب والشعير والذرة والعسل وغيرها، وقالوا: كلها تسمى خمرا، وكلها محرمة. أما الإمام أبو حنيفة ففسر الخمر في الآية بعصير العنب مستندا إلى المعنى اللغوي لكلمة الخمر، وأحاديث أخرى، وأداه اجتهاده إلى تحليل بعض أنواع من الأنبذة كنبيذ التمر والزبيب إن طبخ أدنى طبخ، وشرب منه قدر لا يسكر، وكنوع يسمى «الخليطين»، وهو أن يأخذ قدرا من تمر ومثله من زبيب فيضعهما في إناء ثم يصب عليهما الماء ويتركهما زمنا، وكذلك نبيذ العسل والتين، والبر والعسل.