تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والعجب أنه عقد فصولا طويلة يتعرض فيها لوصف الحضارة والنعيم والترف في أيام الرشيد والمأمون، وتفننهم في المطعم والمشرب والملبس، وهو هو الذي وافق «المسعودي» و«الطبري »، على ما حكياه في إعراس المأمون ببوران بنت الحسن، وأن المأمون أعطاها في مهرها ليلة زفافها ألف حصاة من الياقوت، وأوقد شموع العنبر في كل واحدة مائة من

26

وبسط لها فرشا كان الحصير منها منسوجا بالذهب، مكللا بالدر والياقوت ... إلخ.

27

هل هذا ليس سرفا في الترف؟ وهل قرب عهد المأمون من الرشيد كقرب عهد الرشيد من المنصور جعلت الناس يعيشون عيشة السذاجة كما يقول؟

الحق إن ابن خلدون مخطئ في وصفه عصر الرشيد بالسذاجة، وأنه وقومه كانوا بمنجاة من السرف والترف، والحق أيضا أن ابن خلدون صور جانبا صحيحا من جوانب الرشيد في صلاته وتقواه، ولكن لم يكن هذا كل جوانبه، فله جانب هو الذي وصفه الأغاني، وإن عذرنا الأغاني لما بينا فلسنا نعذر ابن خلدون، وهو مؤرخ عليه أن يذكر نواحي الرجل المختلفة!

وكأن ابن خلدون فهم أن الذي يصلي مائة ركعة، ويجالس الفضيل بن عياض لا يتأتى منه أن يجلس مجالس لهو يسمع فيها الغناء، يظهر فيها مظاهر الترف على أتم وجوهها. إن كان فهم ذلك كان خطأ، والطبيعة الإنسانية لا تأباه.

وفي رأينا أن الرشيد كان يجد فيمعن في الجد، ثم يلهو فيمعن في اللهو خضوعا لحدة العاطفة مع الميول المختلفة.

قال أبو البختري وهب بن وهب القاضي: كنت عند الرشيد يوما واستدعى ماء مبردا بالثلج، فلم يوجد في الخزانة ثلج، فاعتذر إليه بذلك، وأحضر إليه ماء غير مثلوج، فضرب وجه الغلام بالكوز، واستشاط غضبا. فقلت له: أقول يا أمير المؤمنين وأنا آمن؟ فقال: قل، قلت: يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كان من الغير بالأمس (يعني زوال دولة بني أمية)، والدنيا غير دائمة ولا موثوق بها، والحزم ألا تعود نفسك الترفه والنعمة، بل تأكل اللين والجشب، وتلبس الناعم والخشن، وتشرب الحار والقار. فنفحني بيده، وقال: لا والله لا أذهب إلى ما تذهب إليه؛ بل ألبس النعمة ما لبستني فإذا نابتني نوبة الدهر عدت إلى نصابي غير خوار.

28 •••

جاء الأمين فزاد في اللهو نغمة بل نغمات. ومها قال محققو المؤرخين من أن كثيرا من الأخبار وضعت في عهد المأمون لتشويه سمعة الأمين، والحط من شأنه، وتبرير ما فعل به، فإن ميله إلى الإفراط في اللهو والشراب والغلمان مما لا يسهل إنكاره.

روى الطبري قال: لما ملك محمد (الأمين) طلب الخصيان، وابتاعهم وغالى بهم، وصيرهم لخلوته في ليله ونهاره، وقوام طعامه وشرابه، وأمره ونهيه ورفض النساء الحرائر والإماء، حتى رمي بهم،

29

ففي ذلك يقول بعضهم:

لهم من عمره شطر، وشطر

يعاقر فيه شرب الخندريس

وما للغانيات لديه حظ

سوى التقطيب بالوجه العبوس!

إذا كان الرئيس كذا سقيما

فكيف صلاحنا بعد الرئيس؟

فلو علم المقيم بدار طوس

لعز على المقيم بدار طوس

30

وروى أيضا: أنه لما ملك وجه إلى جميع البلدان في طلب الملهين، وضمهم إليه، وأجرى لهم الأرزاق، ونافس في ابتياع فره الدواب، وأحد الوحوش والسباع والطير، وغير ذلك. واحتجب عن إخوته وأهل بيته وقواده، واستخف بهم، وقسم ما في بيوت الأموال، وما بحضرته من الجواهر في خصيانه وجلسائه ومحدثيه، وأمر ببناء مجالس لمتنزهاته، ومواضع خلوته ولهوه ولعبه، وأمر بعمل خمس حراقات في دجلة على خلقة الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس، وأنفق في عملها مالا عظيما وفيها قال أبو نواس مدائحه.

31

ويصفه وزيره الفضل بن الربيع فيقول: «ينام نوم الظربان،

32

ولا يفكر في زوال نعمة، ولا يروي في إمضاء رأي ولا مكيدة، قد ألهاه كأسه، وشغله قدحه، فهو يجري في لهوه، والأيام تضرع في هلاكه، قد شمر عبد الله (المأمون) له عن ساقه، وفوق له أصيب أسهمه، يرميه على بعد الدار بالحنف النافذ، والموت القاصد، قد عبى له المنايا على متون الخيل، وناط له البلاء في أسنة الرماح، وشفار السيوف».

ضحى الإسلام · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤٤