وفي الذي حملوا من حقه شغل
وتعصب الناشئ الشاعر للمتكلمين، فقال يفتخر بالكلام:
ونحن أناس يعرف الناس فضلنا
بألسننا زينت صدور المحافل
تنير وجوه الحق عند جوابنا
إذا أظلمت يوما وجوه المسائل
صمتنا فلم نترك مقالا لصامت
وقلنا فلم نترك مقالا لقائل
وقال يصف أصحابه من المتكلمين:
كأنهم في صدور الناس أفئدة
تحس ما أخطأوا فيها وما عمدوا
يبدون للناس ما تخفى ضمائرهم
كأنهم وجدوا منها الذي وجدوا
دلوا على باطن الدنيا بظاهرها
وعلم ما غاب عنها بالذي شهدوا
مطالع الحق ما من شبهة غسقت
إلا ومنهم لديها كوكب يقد
ثم أخذوا معاني المتكلمين وتلطفوا في عرضها، فقال سعيد بن حميد:
قالت: أكتم هواي واكن عن اسمي
بالعزيز المهيمن الجبار
قلت: لا أستطيع ذلك، قالت:
صرت بعدي
تقول بالإجبار
وتخليت عن مقالة بشر
بن غياث لمذهب النجار
2
ويقول أبو نواس في ترك الشراب وألم بمذهب الخوارج:
نالني بالملام فيها إمام
لا أرى لي خلافه مستقيما
فاصرفاها إلى سواي فإني
لست إلا على الحديث نديما
جل حظي منها إذا هي دارت
أن أراها وأن أشم النسيما
فكأني وما أزين منها
قعدي يزين التحكيما
3
كل عن حمله السلاح إلى الحر
ب فأوصي المطيق ألا يقيما
ويقول أبو نواس أيضا في وصف ممدوحه:
تكل عن إدراك تحصيله
عيون أوهام الضمايير
تنتسب الألسن من وصفه
إلى مدى عجز وتقصير
ويقول فيه:
ولي عهد ما له قرين
ولا له شبه ولا خدين
أستغفر الله بلى هارون
يا خير من كان وما يكون
إلا النبي الطاهر الميمون
ويقول:
كمن الشنان فيه لنا
ككمون النار في حجره
فيتأثر في ذلك بقول بعض المعتزلة في الكمون.
ويقول العباس بن الأحنف:
إذا أردت سلوا كان ناصركم
قلبي، وما أنا من قلبي بمنتصر
فأكثروا وأقلوا من إساءتكم
فكل ذلك محمول على القدر
وقد غضب أبو الهذيل العلاف المعتزلي من هذا الشعر لأنه يعترف بالجبر، فهجاه العباس - فما يظن - بقوله:
يا من يكذب أخبار الرسول لقد
أخطأت في كل ما تأتي وما تذر
كذبت بالقدر الجاري عليك، فقد
أتاك مني - بما لا تشتهي - القدر
ويقول أبو تمام في وصف الخمر:
جهمية الأوصاف إلا أنهم
قد لقبوها جوهر الأشياء
ويقول محمد بن عبد الملك الزيات يحرض المأمون على إبراهيم بن المهدي:
ألم تر أن الشيء للشيء علة
يكون له كالنار تقدح بالزند
كذلك جربنا الأمور وإنما
يدلك ما قد كان قبل على البعد
وظني بإبراهيم أن فكاكه
سيبعث يوما مثل أيامه النكد •••
والأمثلة على ذلك كثيرة، نجتزئ منها بهذا القدر، للدلالة على أن المتكلمين أثروا في الأدب أثرا بليغا في الموضوعات، وفي الأشعار، وفي الجد، وفي الهزل. •••
وبعد، فهذه صورة للمتكلمين، عرضتها كما فهمتها، وكما أرشدني البحث الصادق عنها، أثبت ما فيها من خير وشر، ونفع وضر، فإن أصبت فالله أشكر، وإن أخطأت فحسبي أني أخلصت النية وقصدت إلى الحق.
وأكثر ما أتوقع أن يعتب علي إخواني من الشيعة فيما سلكت من نقدهم، وتزييف بعض آرائهم، وأن يعجبوا من دعوتي إلى الوئام والوفاق، ثم أتبع ذلك بشيء من النقد والتجريح.
فإليهم أقرر مخلصا أني لم أقصد في كل ما قلت إلا ما اعتقدت حقا وصوابا، وجاهدت نفسي ألا أتأثر بإلفي وعادتي ومذهبي، فلا أنصر رأيا سنيا لسنيته، ولا أجرح رأيا معتزليا لاعتزاله، أو شيعيا لتشيعه. وأظن أن القارئ رأى معي أني قد أنقد الرأي السني وأرجح عليه الرأي المعتزلي أو الشيعي. ولو كنت أتعصب لمذهب لانتصرت له في كل أقواله، ودافعت عنه في جميع آرائه، ولكني رأيت نصرة الحق خيرا من نصرة المذهب، فلعلهم بعد ذلك ينصفون فيقرأوا قولي في هدوء وطمأنينة، ويأخذوا منه ما تستحسنه عقولهم، ويردوا كذلك في هدوء ما لا يستحسنون، ويقرعوا حجة بحجة، وبرهانا ببرهان؛ على أنه ليس الغرض الأسمى مقارعة الحجج بالحجج، والاعتزاز بالغلبة، إنما الغرض الأسمى التعاون على إنهاض أهل هذه الملل ورفع مستواهم، وتنقية الخرافات والأوهام من رءوسهم حتى ينشدوا الحياة الصحيحة، ويتبوأوا من العالم المكان اللائق بهم.