تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فدل هذا كله على فساد الأدلة وتكافئها . قالوا: وبراهينكم التي تقيمونها، إما أن تكون عن طريق الحواس، وإما أن تكون عن ضرورة العقل وبديهته، ولو كانت كذلك لم تختلفوا كما لم تختلفوا فيما يدرك بالحس وبديهة العقل، مثل أن ثلاثة أكثر من اثنين، وأن المرء لا يكون قائما قاعدا في وقت واحد، وإما أن تكون قد صحت عن طريق غير الحواس وبداهة العقل فما نوع هذا الدليل؟ وما قيمته إذا كان يصلح لكم ولغيركم وللشيء ونقيضه؟»

1

وهذا المذهب - مذهب الشك - يذكرنا بمذهب السوفسطائية اليونانية قديما، ومذهب الذرائع - البراجماتزم - حديثا. وقد كان لهذا المذهب أثر كبير في الصوفية، إذ رأوا أن البراهين المنطقية لا تكسب إيمانا صحيحا فطلبوا الإيمان من طريق الوجدان. •••

وأيا ما كان، فقد انتشر في العصر العباسي آراء وملل ونحل لا عداد لها، وكانت الحرب فيها حربا عوانا بين كل ديانة والديانات الأخرى، وبين كل فرقة في مذهب والفرق الأخرى، وأصبحت المملكة الإسلامية ميدانا لكل هذه الحروب. فإن نحن تساءلنا: هل كان كل هذا التفرق لخير المسلمين؟ أولم يكن خيرا لهم أن يكونوا كما كانوا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أمة واحدة وفرقة واحدة تعتقد مبادئ واحدة؟

قلنا إن ذلك كان ككل شيء في عالمنا، ليس خيرا صرفا ولا شرا صرفا، إن هذا الانقسام والتفرق كان نتيجة طبيعية لاتساع رقعة البلاد الإسلامية، وتكونها من عناصر مختلفة في الجنس وفي العقليات وفي الديانات الموروثة؛ فكان محالا بعد دخول هذه الطوائف المختلفة في الإسلام أن تعتقد الإسلام في صراحته الأولى وسهولته وبساطته، وكان لابد أن تمزجه بعقلياتها ودياناتها وأغراضها، وكان ضروريا للدين أن يتفلسف، لأن هذا طور طبيعي من أطوار الدين.

لقد كان من مزايا هذا الاختلاف ما يدل عليه من حرية في الفكر وحرية في سياسة الدولة، فاحتملت كل هذه الآراء والمذاهب حتى المتطرف منها؛ ولم يصل إلينا من الاضطهاد إلا القدر القليل بالنسبة لتشعب هذه الآراء والأفكار، وكانت هذه الاضطهادات إلا القدر القليل بالنسبة لتشعب هذه الآراء والأفكار، وكانت هذه الاضطهادات التي حدثت سياسية أكثر منها دينية.

وكان من مزاياه لذة العقول وغذاؤها ومرانها على التفكير كالمران الذي يستعمله العقل في الحساب والجبر والهندسة.

وكان من مزاياه رقي فن الجدل والمناظرة رقيا باهرا، حتى أصبح بعد علما توضع له القوانين والقواعد.

ولكنه - من غير شك - أضعف شأن الأمة، فلم تعد الحماسة الدينية كما كانت في عصورها الأولى، فإن قوي العقل فقد ضعف القلب، وإن كثر عدد المسلمين فقد قلت قوتهم، ومن أجل ذلك وقفت الفتوح تقريبا، وانصرف جهد المسلمين إلى إطفاء الفتن السياسية والفتن الدينية، وأسلم ذلك إلى ما سنرى من انقسام المسلمين سياسيا إلى ممالك ودول، كما انقسموا قبل إلى مذاهب ونحل.

هذا وقد أثرت هذه المذاهب الدينية والكلامية في الأدب أثرا كبيرا ألمعنا إليه قبل، فعمقت موضوعاته، ودقت معانيه؛ وظهر ذلك في الكتب التي ألفت في هذا العصر - وخاصة من المعتزلة - ورأينا الشعراء يتلقفون معاني المتكلمين فيدسونها في أشعارهم، ويعتنق الشعراء بعض المذاهب الدينية والكلامية فينتصرون لها ويعيبون ما عداها، ويمدح بعضهم المتكلمين وبعضهم يذمهم، إلى كثير من مثل ذلك. ونحن نسوق طرفا قليلا للتمثيل على ما نقول.

يقول محمد بن يسير يعيب المتكلمين:

يا سائلي عن مقالة الشيع

وعن صنوف الأهواء والبدع

دع من يقود الكلام ناحية

فما يقود الكلام ذو ورع

كل أناس بديهم حسن

ثم يصيرون بعد للشنع

أكثر ما فيه أن يقال له

لم يك في قوله بمنقطع

ويقول غيره في ذلك:

قد نقر الناس حتى أحدثوا بدعا

في الدين بالرأي لم تبعث بها الرسل

حتى استخف بحق الله أكثرهم

ضحى الإسلام · الصفحة ٤٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤٤١