تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لما رآك مجدا في منيته

وأن دفعك لا يسطاع بالحيل

شام النزال فأبرقت اللقاء له

مقدم الخطو فيه غير متكل

إلى آخر القصيدة، وقد عددنا هذا أدبا خارجيا لأنه يتصل بحوادث الخوارج ويلقي ضوءا على حروبهم.

ولما مات الوليد بن طريف وقفت منه أخته الفارعة الخارجية موقف الخنساء من أخويها، ورثته بجملة قصائد، منها قصيدتها المشهورة:

بتل نهاكى رسم قبر كأنه

على جبل فوق الجبال منيف

تمن مجدا عد مليا وسؤددا

وهمة مقدام ورأى حصيف

فيا شجر الخابور مالك مورقا

كأنك لم تجزع على ابن طريف

فتى لا يحب الزاد إلا من التقى

ولا المال إلا من قنا وسيوف

ولا الذخر إلا كل جرداء صلدم

معاودة للكر بين صفوف

كأنك لم تشهد هناك ولم تقم

مقاما على الأعداء غير خفيف

ولم تستلم يوما لورد كريهة

من السرد في خضراء ذات رفيف

ولم تسع يوم الحرب والحرب لاقح

وسمر القنا ينكزنها بأنوف

حليف الندى ما عاش يرضى به الندى

فإن مات لا يرضى الندى بحليف

فقدناك فقدان الشباب وليتنا

فديناك من فتياننا بألوف

وما زال - حتى أزهق الموت نفسه

شجا لعدو أو لجا لضعيف

ألا يا لقومي للنوائب والردى

وللأرض همت بعده برجوف

ألا يا لقومي للنوائب والردى

ودهر ملح بالكرام عنيف

وللبدر من بين الكواكب إذ هوى

وللشمس لما أزمعت بكسوف

ولليث كل الليث إذ يحملونه

إلى حفرة ملحودة وسقيف

ألا قاتل الله الجثا حيث أضمرت

فتى كان للمعروف غير عيوف

فإن يك أرداه يزيد بن مزيد

فرب زحوف لفها بزحوف

عليه سلام الله وقفا فإنني

أرى الموت وقاعا بكل شريف

ومنها قصيدتها:

ذكرت الوليد وأيامه

إذ الأرض من شخصه بلقع

فأقبلت أطلبه في السماء

كما يبتغى أنفه الأجدع

أضاعك قومك فليطلبوا

إفادة مثل الذي ضيعوا

لو أن السيوف التي حدها

يصيبك تعلم ما تصنع

نبت عنك إذ جعلت هيبة

وخوفا لصولك لا تقطع

إلخ ...

| خاتمة

ونظرة عامة إلى ما عرضنا له من هذه الفروق في ذلك العصر ترينا كيف تفرق الناس إلى شيع وأحزاب ومذاهب، مع أنا لم نذكر فيما ذكرنا إلا الطوائف الرئيسية، وكل طائفة تفرع منها فروع يصعب عدها؛ فقد انقسم المعتزلة إلى نحو ثلاث عشرة فرقة، والخوارج إلى نحو عشرين، والشيعة إلى نحو ثلاثين، والمرجئة إلى نحو سبع؛ هذا عدا فرقا أخرى لم نذكرها، إذ لم يتسع لها صدر كتابنا، وهذا أيضا عدا ما كان في المملكة الإسلامية من الديانات الأخرى، من اليهودية والنصرانية المجوسية والصابئة، وانقسام كل من هؤلاء إلى مذاهب ونحل.

وكان بجانب هؤلاء جميعا جماعة من الشكاك، رأوا هذه المذاهب المختلفة والآراء المتناقضة، والأدلة المتعارضة، فشكوا فيها جميعا وكفروا بالجدل، وقالوا: إنه لا يسلم إلى إيمان، وقالوا: «كل ما ثبت بالجدل، فبالجدل ينقض».

وحتى هؤلاء لم يشاءوا أن يكونوا فرقة واحدة، بل انقسموا إلى فرق ثلاث: فمنهم فرقة عممت شكها في كل شيء حتى في إثبات الإله والنبوة، «فلم تحقق الباري ولا أبطلته، ولا أثبتت النبوة ولا أبطلتها، وهكذا في جميع الأديان، والأهواء، لم تثبت شيئا من ذلك ولا أبطلته، وقالوا: إن الحق في أحد هذه الأقوال بلا شك؛ إلا أنه غير بين ولا ظاهر ولا متميز»؛ وكان إسماعيل بن يونس الطبيب اليهودي تدل أقواله على أنه كان يذهب هذا المذهب.

وفرقة من هؤلاء الشكاك أثبتوا الإله، وشكوا فيما عدا ذلك حتى النبوات، «فأثبتت الخالق وقطعت بأنه حق، ثم لم تحقق النبوة ولا أبطلتها، ولا حققت دين ملة ولا أبطلته».

وفرقة ثالثة أثبتت الإله والنبوة وشكت فيما عدا ذلك، «فقطعت أن الله حق، وأن النبوة حق وأن محمدا رسول الله، ثم لم تقطع بشيء بعد ذلك.»

وحجج هؤلاء الشكاك أنهم قالوا: «إنا وجدنا الديانات والآراء والمقالات كل طائفة تدعي أنها إنما اعتقدت ما اعتقدته عن الأوائل، وكل طائفة منها تناظر الأخرى فتنتصف منها، وربما غلبت هذه في مجلس، ثم غلبتها الأخرى في مجلس آخر على حسب قوة نظر المناظر وقدرته على البيان، فهم في ذلك كالمتحاربين يكون الظفر سجالا بينهم ... فصح أن ليس ههنا قول ظاهر الغلبة، ولو كان لما أشكل على أحد ولما اختلفت الناس في ذلك، كما لم يختلفوا فيما أدركوه بحواسهم، وبدائه عقولهم، وكما لم يختلفوا في الحساب، وفي كل شيء عليه برهان لائح. قالوا: ومن المحال أن يبدو الحق إلى الناس فيعاندوه بلا معنى، ويرضوا بالهلاك في الدنيا والآخرة بلا سبب؛ فلما بطل هذا صح أن كل طائفة إنما تتبع إما ما نشأت عليه، وإما ما يخيل لأحدهم أنه الحق دون تثبت ولا يقين. قالوا: ونرى الجماعة الكثيرة قد طلبوا علم الفلسفة وتبحروا فيها، ووسموا أنفسهم بالوقوف على الحقائق وبالخروج عن جملة العامة، ونجد آخرين قد تمهروا علم الكلام، وأفنوا فيه دهرهم ورسخوا فيه، وفخروا بأنه قد لاح لهم الفرق بين الحق والباطل بالحجج، ثم نجدهم كلهم - فلسفيهم وكلاميهم - مختلفين كاختلاف العامة وأهل الجهل بل أشد اختلافا؛ فالناس بين يهودي يموت على يهوديته، ونصراني يتهالك على نصرانيته وتثليثه، ومجوسي يستميت في مجوسيته، ومسلم يستقتل في إسلامه، واستوى العامي في ذلك مع المتكلم. ثم نجد أهل هذه الأديان في فرقهم كذلك سواء بسواء؛ فإن كان يهوديا أو نصرانيا تمسك بفرقته وتهالك غيظا على ما عداها؛ وإن كان مسلما فإما خارجيا يستحل دماء سائر أهل ملته وإما معتزليا يكفر سائر فرق ملته، وإما شيعيا لا يتولى سائر فرق ملته إلخ ... فصح أن جميعهم إما متبعا للذي نشأ عليه والنحلة التي تربى عليها، وإما متبعا لهواه قد تخيل أنه الحق.. فلو كان للبرهان حقيقة لما اختلفوا فيه هذا الاختلاف، ولبان على طوال الأزمان ومرور الدهور؛ ونرى الفيلسوف أو المتكلم يعتقد مقالة، ويناظر عليها، ويعادي من خالفها ، ويبقى على ذلك حياته، ثم تبدو له بادية فيرجع أشد ما كان عداوة لما كان ينصر، وينصرف يناظر في إفسادها، ويجاهد في إبطالها. قالوا

ضحى الإسلام · الصفحة ٤٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤٤٠