تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويهزمهم بآسك أربعونا

كذبتم ليس ذاك كما زعمتم

ولكن الخوارج مؤمنونا

هم الفئة القليلة غير شك

على الفئة الكثيرة ينصرونا

أطعتم كل جبار عنيد

وما من طاعة للظالمين

من أجل هذا كان كلامهم كسهامهم، وخطبهم كقلوبهم؛ يصفهم عبيد الله ابن زياد فيقول: «لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع»، ويروي المبرد «أن عبد الملك بن مروان أتى برجل منهم، فبحثه فرأى منه ما شاء فهما وعلما، ثم بحثه فرأى منه ما شاء أربا ودهيا، فرغب فيه واستدعاه للخروج عن مذهبه، فرآه مستبصرا محققا، فزاده في الاستدعاء، فقال له: فتغنك الأولى عن الثانية، وقد قلت فسمعت، فاسمع أقل. قال له: قل. فجعل يبسط له من قول الخوارج ويزين له من مذهبهم بلسان طلق، وألفاظ بينة، ومعان قريبة. فقال عبد الملك: لقد كاد يوقع في خاطري أن الجنة خلقت لهم وأني أولى بالجهاد منهم». •••

لقد كانت ثقافة الخوارج - بحكم غلبة البداوة عليهم - ثقافة عربية خالصة، لا أثر فيها لفلسفة اليونان، كما هو الشأن في ثقافة المعتزلة؛ ولا أثر فيها لثقافة الفرس كما هو الشأن في الشيعة. ثقف الخوارج ثقافة أدبية لغوية على نمط العرب في ثقافتهم، وثقافة إسلامية على النمط المعهود في عصرهم، من تفهم للكتاب والسنة في سهولة ويسر؛ فإن جادلوا في الدين فاحتجاج بظواهر النصوص وتمسك بحرفيتها، فكان على أدبهم هذا الطالع.

لذلك كان مظهر أدبهم من جنس أدب العرب، لا كتب تؤلف، ولا بحوث تصنف، ولا موضوع يحلل، ولكنه شعر كثير وخطب كثيرة؛ وحكم منثورة. وقد أنتجوا في هذا إنتاجا ضاع كثيره وبقي قليله، ولو لم يحفظ لنا المبرد في كتابه الكامل طائفة صالحة منه لعمي علينا أمره. وقد دلنا هذا القليل المروي على الكثير الضائع، كما لم يبق في أيدينا - على ما أعلم - من دواوينهم إلا ديوان الطرماح الشاعر الخارجي.

وأكثر ما روي لنا من شعرهم وخطبهم وحكمهم ونوادرهم كان في العصر الأموي. أما ما روي لنا في العصر العباسي فقليل؛ وربما كان السبب أن أمرهم ضعف في العصر العباسي فضعف أدبهم تبعا لذلك، أو أن مدوني الأدب في العصر العباسي أباحت لهم السياسة أن يرووا الأدب الخارجي الأموي؛ لأن هذا الأدب خصم للدولة الأموية، وخصومتها حلال في نظرهم من جميع الوجوه، أما خصومة الخوارج للعباسيين فمبغضة مكروهة. فإن اعترضت بأن الشعر الشيعي قد روي وحفظ في العصر العباسي، وهو خصم كخصومة الخوارج، قلنا إن الشيعة لم يضعف أمرهم في العصر العباسي ضعف أمر الخوارج، وظل منهم قوم ذوو جاه يعطفون على آثار الشيعة، فإن لم يستطيعوا حفظه جهرا حفظوه سرا، فإذا قوي أمرهم أظهروه. أما الخوارج فلم يبق لهم في المدن من يعني بأمرهم كثيرا. ثم إن الأدب الخارجي أدب لساني لا أدب مكتوب، فكان يتطلب لحفظه أن يذهب رواة الأدب كالأصمعي إليهم ليأخذوه عنهم، وأكثر هؤلاء الرواة كانوا صنائع للدولة العباسية يتقربون إليهم برواية ما يرضيهم.

على كل حال ليس من شأننا في هذا الجزء أن نقف طويلا عند الأدب الخارجي الأموي، فإن نظرنا إلى الأدب الخارجي العباسي رأينا كثيرا منه أدبا إباضيا؛ وقد حفظت مكاتب الإباضية في المغرب وعمان بعض آثارهم التي ترجع إلى العصر العباسي الأول، وإن لم نقف عليها. وربما كان ألمع شيء في الأدب العباسي ما قيل في حادثة الوليد بن طريف التي ذكرناها قبل؛ فقد حاربه يزيد ابن مزيد الشيباني، وكان مسلم بن الوليد (صريع الغواني) متصلا به، فنوه بحروبه للخوارج في شعره؛ من قصيدته المشهورة التي مطلعها:

أجررت حبل خليع في الصبا غزل

وشمرت هم العذال في العذل

وقد أطال فيها وصف حروبه مع الخوارج ثم قال:

ويوسف البرم قد صبحت عسكره

بعسكر يلفظ الأقدار ذي زجل

12

والمارق ابن طريف قد دلفت له

بعسكر للمنايا مسبل هطل

ضحى الإسلام · الصفحة ٤٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤٣٩