تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسبب ثالث: يرجع إلى طبيعة «الرشيد» نفسه وتربيته، فيظهر لي أنه كان شابا حاد العاطفة، ولكن ليس من هذا النوع الذي يستسلم كل الاستسلام لشهواته، بل هو مع ذلك قوي النفس، جندي بالغريزة وبالتربية، طالما قاد الجيوش وشرق وغرب، هذه الحدة في العاطفة، وقوة النفس ونضارة الشباب أظهرته بمظاهر مختلفة، يوعظ فيتأثر بالموعظة إلى أن يجهش بالبكاء، ويسمع الغناء فيطرب له كل الطرب، يسمع إبراهيم الموصلي يغني، وبرصوما يزمر، وزلزلا يضرب الدف، فيدعوه الطرب أن يتكلم بكلمة فيها شيء من التورع الديني، يقول: يا آدم لو رأيت من يحضرني من ولدك اليوم لسرك. ثم يندم على قولته فيستغفر الله.

22

نمت عنده العاطفة الدينية، ونمت بجانبها أيضا عاطفة الفنون؛ فهو يصلي، ويكثر من الصلاة، وهو يسمع الغناء فيستجيده، والشعر فيطرب له، تتجه عواطفه إلى جهات مختلفة فيصل فيها إلى نهايتها، يسمع قول أبي العتاهية:

خانك الطرف الطموح

أيها القلب الجموح

لدواعي الخير والشر

دنو ونزوح

هل لمطلوب بذنب

توبة منه نصوح؟

كيف إصلاح قلوب

إنما هن قروح!

أحسن الله بنا أن

الخطايا لا تفوح

سيصير المرء يوما

جسدا ما فيه روح

بين عيني كل حي

علم الموت يلوح

كلنا في غفلة وال

موت يغدو ويروح

لبني الدنيا من الدن

يا غبوق وصبوح

رحن في الوشي وأص

بحن عليهن المسوح

كل نطاح - من الده

ر - له يوم نطوح

نح عى نفسك يا مس

كين إن كنت تنوح

لتموتن وإن عم

رت ما عمر نوح!

فيبكي وينتحب

23

ويرضى عن البرامكة فيعجب بهم كل الإعجاب، ويقربهم كل القرب، ثم يغضب عليهم ويستفز الحساد عواطفه عليهم، فينكل بهم كل التنكيل، ويعجبه الغناء فيقرب إبراهيم الموصلي تقريبه للعلماء والقضاة، ولا يسأل عن مال ينفقه متى استطاع المغني أو الشاعر أن يصل إلى موضع يثير منه إعجابه. تعجبني جملة لصاحب الأغاني يصف بها الرشيد، تمثل خير تمثيل قوة عاطفته؛ إذ يقول: «كان الرشيد من أغزر الناس دموعا في وقت الموعظة، وأشدهم عسفا في وقت الغضب والغلظة.»

24

من أجل ذلك لا عجب أن تراه متدينا شديد التدين، يصلي في اليوم مائة ركعة، وأن تراه حينا غضوبا يسفك الدم لشيء لا يستحق سفك دم، وطروبا يملك الطرب عليه نفسه ومشاعره، وهذه صفات من السهل أن تتصور اجتماعها في شخص واحد.

تقرأ كتاب الأغاني فتخرج منه في كثير من الأحيان على صورة للرشيد يخيل إليك معها أنه عاكف على اللهو والطرب، لا عمل له إلا أن يسمع الغناء، ويخالط الندماء، ويثيب الشعراء، وله العذر في ذلك؛ لأنه لم يؤلف كتابه تاريخا يصف فيه أعمال الخلفاء المختلفة ، ويقومهم بما أتوا من حسنات وسيئات، إنما ألف كتابه في الغناء، فمن الطبيعي أن يقصر قوله على هذا الضرب وما إليه، كما تقصر كتب طبقات النحاة واللغويين كلامها على العلماء من الناحية النحوية واللغوية، وإذا كان هناك خطأ فمن ناحية من يفهم أن الغناء وحده يمثل حياة الرجل المختلفة النزعات.

وتقرأ ابن خلدون فيقصر تصويره على الناحية الجدية والدينية، ويذهب إلى أن الرشيد لم يكن يعاقر الخمر لأنه كان يصحب العلماء والأولياء، ويحافظ على الصلوات والعبادات، ويصلي الصبح في وقته، ويغزو عاما ويحج عاما، ويستدل أيضا بأنه كان من العلم والسذاجة بمكان، لقرب عهده من سلفه، ولم يكن بينه وبين جده أبي جعفر بعيد زمن «إنما كان الرشيد يشرب نبيذ التمر على مذهب أهل العراق، وفتاويهم فيها معروفة، وأما الخمر الصرف فلا سبيل إلى اتهامه بها، ولا تقليد الأخبار الواهية فيها، فلم يكن الرجل بحيث يواقع محرما من أكبر الكبائر عند أهل الملة، ولقد كان أولئك القوم كلهم بمنجاة من ارتكاب السرف والترف في ملابسهم وزينتهم، وسائر متناولاتهم؛ لما كانوا عليه من خشونة البداوة، وسذاجة الدين التي لم يفارقوها.»

25

ونحن مع اتفاقنا في الرأي مع ابن خلدون في أن الرشيد لم يشرب الخمر، إنما المعروف عنه أنه شرب النبيذ، فلسنا نتفق معه على ما يستخلص من قوله من أنه كان بمنجاة من السرف والترف، وأنه كان يعيش عيشة ساذجة، وأنه لم يواقع محرما، فهذا أيضا إفراط في التقديس لا تدل عليه سيرة الرشيد، خصوصا وأن أدلته في هذا النوع أدلة خطابية؛ فقرب عهده من المنصور لا يستوجب أن يعيش عيشته، وقد صرح هو مرارا بأن الترف والنعيم في عصر الرشيد كان أكثر منه في عصر المنصور، ولو كان قرب العهد يكفي في الاستدلال لما رأينا الأمين (وهو قريب العهد من الرشيد) يسير سيرته.

ضحى الإسلام · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤٣