من هذا كله نرى الخارجي قد اجتمعت له العاطفة القوية، والأداة الصالحة للتعبير عنها.
وهذا الذي ذكرنا قد جعل لأدبهم لونا خاصا غير لون الأدب المعتزلي، وغير لون الأدب الشيعي. أدب المعتزلة أدب فلسفي، فيه عنصر المعاني أغلب وأقوى؛ وأدب الشيعة أدب باك أو أدب حزين على فقدان الحق، أو أدب غضبان على أن لم توضع الخلافة موضعها؛ أما أدب الخوارج فأدب القوة، أدب الاستماتة في طلب الحق ونشره، وأدب التضحية، فلا تستحق الحياة البقاء بجانب العقيدة، وأدب التعبير البدوي الذي لا يتفلسف ولا يشتق المعاني ويولدها كما يفعل المعتزلة؛ هو في بعض الأحيان أدب غضبان، ولكنه ليس غضبان من جنس غضب الشيعة، فالشيعة يغضبون لشخص أو أشخاص، ولكن الخوارج يغضبون للعقيدة وللإسلام عامة، بقطع النظر عن الأشخاص؛ وإن نظروا للأشخاص ففي ضوء العقيدة، لا كما يفعل غيرهم من النظر إلى العقيدة في ضوء الأشخاص؛ وقد يرثون ويبكون، ولكنهم حتى في رثائهم وبكائهم أقوياء، يذرفون الدمع ليسفكوا الدم، ويبكون الميت ليتشجع الحي، ويؤبنون المفقود، ليرسموا المثل الأعلى للموجود؛ لا يعرفون هزلا في الحياة، فلا يعرفون هزلا في الأدب، ولا يعرفون خمرا ولا مجونا، فلا نجد في أدبهم خمرا ولا مجونا؛ إنما يعرفون الجهاد والقتال والتربية المتزمتة القاسية التي تخرج رجالا أقوياء لا يحرصون على الحياة، فكذلك أدبهم؛ كالذي روي أن مروان أخا يزيد لأمه دخل وهو صغير على عبد الملك بن مروان يبكي لضرب المؤدب له، فشق ذلك على عبد الملك، وكان عنده أحد الخوارج، فقال له الخارجي: «دعه يبكي فإنه أرحب لشدقه، وأصح لدماغه، وأذهب لصوته، وأحرى ألا تأبى عليه عينه إذا حضرته طاعة ربه فاستدعى عبرتها». لا يحبون الكذب، ولا يحبون المعاصي، فكانوا كما قال المبرد: «والخوارج في جميع أصنافها تبرأ من الكاذب، ومن ذي المعصية الظاهرة»
10
فكذلك أدبهم، قال قائل:
لقد زاد الحياة إلي حبا
بناتي إنهن من الضعاف
قال عمران بن حطان الخارجي:
لقد زاد الحياة إلي بغضا
وحبا للخروج أبو بلال
11
أحاذر أن أموت على فراشي
وأرجو الموت تحت ذرى العوالي
فمن يك همه الدنيا فإني
لها والله رب البيت قالي
ويقول قائلهم:
ومن يحش أطراف المنايا فإننا
لبسنا لهن السابغات من الصبر
فإن كريه الموت عذب مذاقه
إذا ما مزجناه بطيب من الذكر
وما رزق الإنسان مثل منية
أراحت من الدنيا ولم تخز في القبر
وهم حتى في غزلهم يمزجون بين الشجاعة والغزل، ويوفقون بين حب الموت وحب الحياة، ويتقربون إلى من يحبون بحسن البلاء في الأعداء، إن شئت فاقرأ قول قطري:
لعمرك إني في الحياة لزاهد وفي
العيش ما لم ألق أم حكيم
من الخفرات البيض لم ير مثلها
شفاء لذي بث ولا لسقيم
لعمرك إني يوم ألطم وجهها
على نائبات الدهر جد لئيم
ولو شهدتني يوم دولاب أبصرت
طعان فتى في الحرب غير ذميم
ولو شهدتنا يوم ذاك وخيلنا
تبيح من الكفار كل حريم
رأت فتية باعوا الإله نفوسهم
بجنات عدن عنده ونعيم
إن كان الأدب ظل الحياة الاجتماعية وصورة من صورها، فأدب الخوارج صورة صادقة صحيحة من صور حياتهم. لقد كانوا شجعانا لا يبالون الموت، حتى أدخلوا الرعب على قلوب خصومهم، فكان معاوية بن قرة يقول: لو جاء «الديلم من ههنا، والحرورية (أي الخوارج) من ههنا لحاربت الخوارج» أي لأنهم أشد خطرا؛ وكان العدد القليل من الخوارج يوقع الفزع والرعب في العدد الكثير من غيرهم.
وقد قال في هذا المعنى عيسى بن فاتك الخارجي لما هزم الخوارج جنود السلطان يوم آسك:
فلما أصبحوا صلوا وقاموا
إلى الجرد العتاق مسومينا
فلما استجمعوا حملوا عليهم
فظل ذوو الجعائل يقتلونا
بقية يومهم حتى أتاهم
سواد الليل فيه يراوغونا
يقول بصيرهم لما أتاهم
بأن القوم ولوا هاربينا
أألفا مؤمن فيما زعمتم