تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7

وكان ذلك سنة 134.

وفي عهد المنصور ثار الخوارج بالجزيرة،

8

وعلى رأسهم ملبد بن حرملة الشيباني سنة 137، فأرسل إليه المنصور يزيد بن حاتم المهلبي ليمثل معهم دور عمه المهلب بن أبي صفرة فهزمه ملبد؛ ومازال المنصور يرسل إليه القائد بعد القائد وملبد يهزمهم، وأخيرا وجه إليه خازم بن خزيمة ومعه نحو ثمانمائة ألف من أهل مروروذ، فتقاتلوا طويلا، ثم أمر خازم أصحابه أن يرموهم بالنشاب، فرشقوا ملبدا بنشاته فقتل معه كثيرون، وكان ذلك سنة 138.

وثار الخوارج أيضا في المغرب (تونس وما حولها) من صفرية وإباضية، فأرسل إليهم المنصور عمر بن حفص من ولد قبيصة بن أبي صفرة أخل المهلب، فدامت المعارك بينهم طويلا، وانضم كثير من البربر إلى الخوارج، وكان على رأس الخوارج أبو حاتم الإباضي، وانتهى الأمر بقتل عمر بن حفص واستيلاء أبي حاتم والخوارج على القيروان؛ فأرسل المنصور يزيد بن حاتم بن قبيصة بن أبي صفرة، فتغلب على الخوارج، وقتل أبو حاتم وأتباعه من الخوارج والبربر، وكان عدة من قتل في المعركة نحو ثلاثين ألفا، وجعل آل المهلب يقتلون الخوارج ويقولون يا لثارات عمر بن حفص؛ ومكث يزيد في إخماد هذه الثورة نحو خمس عشرة سنة؛ وقد قالوا إنه كان بين الخوارج وجنود المنصور من لدن قاتلوا عمر بن حفص إلى أن انقضى أمرهم على يد يزيد بن حاتم نحو من ثلاثمائة وخمس وسبعين وقعة.

وفي عهد المهدي خرج بخراسان جماعة من الخوارج وعلى رأسهم يوسف بن إبراهيم المعروف بالبرم، منكرا هو ومن معه على المهدي سيرته التي يسير بها، واجتمع معه خلق كثير، فأرسل إليه المهدي يزيد بن مزيد الشيباني، فأسر يوسف البرم، وبعث به إلى المهدي ومعه وجوه أصحابه، فقتلهم المهدي وصلبهم، وكان ذلك سنة 160.

وفي عهد المهدي أيضا خرج يس التميمي بالموصل، واستولى على أكثر ديار ربيعة والجزيرة، فبعث إليه المهدي. من هزمه وقتله وعدة من أصحابه، وذلك سنة 168.

وفي عهد الرشيد خرج الصحصح بالجزيرة وغلب على. ديار ربيعة، فسير الرشيد إليه من قتله سنة 171.

ثم في سنة 178، كانت ثورة الوليد بن طريف الخارجي بالجزيرة، وقد قال السمعاني في الأنساب: إنه شيباني، وتبعه في ذلك ابن خلكان، وقال ابن الأثير إنه تغلبي. وقد أرسل إليه هارون يزيد بن مزيد الشيباني ابن أخي معن بن زائدة، فكانت البرامكة منحرفة عن يزيد، فقالوا للرشيد: إنما يتجافى يزيد عن الوليد لما بينهما من الرحم. فعلى كلام السمعاني وابن خلكان تفسير هذا أنهما معا من شيبان، وفسر ابن الأثير هذه العبارة بأن شيبان وتغلب كلتيهما من وائل، وهذا هو الرحم. ولعل قول ابن الأثير أصح، فقد قال بعض الشعراء في الوقائع التي بينهما:

وائل بعضهم يقتل بعضا

لا يفل الحديد إلا الحديدا

وأيا ما كان، فقد عظم أمر الوليد في الجزيرة، فنازله يزيد بن مزيد، وقال لأصحابه: «إنما هي الخوارج، ولهم حملة فاثبتوا، فإذا أنقضت حملتهم فاحملوا عليهم، فإنهم إذا انهزموا لم يرجعوا»، وكان الوليد يوم خرج يقول:

أنا الوليد بن طريف الشاري

قسورة لا يصطلي بناري

9

جوركم أخرجني من داري

وقد انكسر جيش الوليد بعد وقائع عنيفة، واتبعه يزيد فقتل الوليد. وأخذ رأسه.

وهكذا كانت ثورات الخوارج في الجزيرة وعمان، وبلاد المغرب، وقد انتصر فيها العباسيون، ولم يلقوا فيها من العنت ما لقي الأمويون، وكانت هذه الهزائم المتوالية للخوارج سببا في ضعف أمرهم، وقلة شأنهم، فلم يعد لهم من القوة والقتال أثر في التاريخ كبير. •••

أدب الخوارج:

لقد كان في الخوارج كل العناصر التي تكون الأدب: عقيدة راسخة لا تزعزعها الأحداث، وتحمس شديد لها تهون بجانبه الأرواح والأموال، وصراحة في القول والعمل لا تخشى بأسا، ولا ترهب أحدا، وديمقراطية حقة لا ترى الأمير إلا كأحدهم، ولا العظيم إلا خادمهم، ورسم الطريق الذي ينبغي أن يسلكوه رسما مستقيما واضحا لا عوج فيه ولا غموض، يجب أن يعدل الخليفة والأمراء، وإلا يقاتلوا حتى يعزلوا أو يقتلوا، ويجب أن يسير المسلمون حسب نصوص الكتاب والسنة من غير أن ينحرفوا عنها قيد شعرة، وإلا يقاتلون ليحل محلهم مسلمون مخلصون طاهرون، ويجب أن يسلك السبيل إلى ذلك من غير تقية، ومن غير مجاملة ولا مواربة، ويجب أن يقابل الواقع كما هو، ويشخص كما هو، ويعالج كما هو، على طريقة عمر بن الخطاب، لا على طريقة عمرو بن العاص؛ ووراء ذلك كله نفوس بدوية - غالبا - فيها كل الاستعداد للقول، وفصاحة اللسان، وفيها كل ما نعهده في البدوي من قدرة على البيان، وسرعة في البديهة، وأداء للمعنى بأوجز عبارة وأقوى لفظ.

ضحى الإسلام · الصفحة ٤٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٤٣٧