نعم! كان من بين علماء العصر العباسي من اعتنق مذهب الخوارج، كأبي عبيدة معمر بن المثنى، قال ابن خلكان: «إنه كان يرى رأي الخوارج»، وقال: «كان يميل إلى مذهب الخوارج»، وقال أبو حاتم السجستاني: كان أبو عبيدة يكرمني على أنني من خوارج سجستان، وقال الثوري: «دخلت المسجد على أبي عبيدة وهو ينكت الأرض جالسا وحده، وقال من القائل:
أقول لها وقد جشأت وجاشت
مكانك تحمدي أو تستريحي
فقلت له قطري بن الفجاءة. فقال: فض الله فاك، هلا قلت هو لأمير المؤمنين أبي نعامة؟ ثم قال لي: أجلس وأكتم عني ما سمعت مني».
6
وقد ألف فيما ألفه كتابا في «خوارج البحرين» - ولكن أبا عبيدة لم يكن فيلسوفا ولا من أهل الكلام حتى يستطيع أن يفلسف المذهب الخارجي. وإنما كان عالما واسع الاطلاع في الغريب وأيام العرب - ثم كان إن صح أنه خارجي يكتم مذهبه، كما تدل عليه الحكاية السابقة، فهو يتمذهب بالمذهب الخارجي لنفسه، ومع ذلك يخالفه في الصميم منه، فهو يتقي الجهر به؛ ومن أصول الخوارج عدم التقية، ثم هو أكره للعرب وأميل إلى الشعوبية، ومتصل بالخلفاء والأمراء ومتملقهم، فهو ليس خارجيا إن كان إلا في بعض عقائدها كالطعن على الخلفاء، وكثرة التكفير للمخالفين على أن يكون ذلك سرا مكتوما.
وكذلك الهيثم بن عدي، قال فيه ابن خلكان: «إنه كان يرى رأي الخوارج»، وألف فيهم كتابا اسمه «كتاب الخوارج»، ولكنه كان كأبي عبيدة إخباريا لا فيلسوفا، وكان متصلا بالمنصور والمهدي والهادي والرشيد، ولو كان من الخوارج حقا لخرج خروجهم.
من أجل هذا لم يرو لنا عن الخوارج مذهب مفلسف، ولا فقه واسع منظم ولا نحو ذلك، إلا ما كان من الإباضية أتباع عبد الله بن إباض الخارجي الذي مات في عهده عبد الملك بن مروان؛ فإن هذه الفرقة عاشت وانتشرت في شمالي إفريقية، وفي عمان، وفي حضر موت، وزنجبار، واستمرت إلى يومنا هذا. فكان من الطبيعي أن يكون لهم أصول اعتقادية، وتعاليم فقهية، وكذلك كان فقد تعدل مذهبهم مع الزمان، فلهم أصول كلامية متأثرة إلى حد كبير بمذهب المعتزلة في القول بخلق القرآن، وأن الله لا يرى في الجنة، والله لا يغفر الكبائر، كما لهم كتب فقهية خاصة تخالف أهل السنة في بعض الفروع مثل أنهم لا يرون الزواج يصح إلا فيما بينهم. •••
تاريخهم السياسي في العصر العباسي:
كان نظر الخوارج إلى خلفاء بني العباس كنظرهم إلى خلفاء بني أمية كلهم لا يصلح للخلافة، ولم يختر اختياريا حرا صريحا، ولم يستوف الشروط التي يجب توافرها في الإمام، وكلهم يجب الخروج عليه، ومقاتلته وعزله إن أمكن، وقتله إن أمكن.
فظل نظرهم في العهد العباسي كما كان في العهد الأموي، إلا أن قوتهم في هذا العهد لم تكن كقوتهم في العهد الأموي، لأن الأمويين وولاتهم - ولا سيما المهلب بن أبي صفرة - فتكوا بهم فتكا ذريعا، وإن كان انتصار الأمويين أضعف قوتهم هم أيضا.
ومع هذا فقد حاربوا العباسيين في قوة، وصلابة، وجلد يشبه ذلك الذي كان لهم في العصر الأموي.
فما استقر السفاح في خلافته حتى تحرك خوارج عمان، وعلى رأسهم الجلندى، وكان هو وأصحابه من الخوارج الإباضية، فأرسل إليهم السفاح جيشا، على رأسه أحد القواد العظام «خازم بن خزيمة»، فسار في البحر حتى أرسى على ساحل عمان ثم خرج ومن معه إلى الصحراء ، وتقاتلوا قتالا شديدا كانت الحرب فيه سجالا؛ ثم أشار إلى خازم بعض أصحابه أن يأمر جنوده فيجعلوا على أطراف أسنتهم المشاقة ويرووها بالنفط، ويشعلوا فيها النيران. ثم يمشوا بها حتى يضروها في بيوت أصحاب الجلندي، وكانت من خشب؛ فلما فعل ذلك وأضرمت بيوتهم بالنيران اشتغلوا بها وبمن فيها من أولادهم وأهاليهم، فحمل عليهم خازم وأصحابه، فوضعوا فيهم السيف فقتلوهم، وقتل الجلندي فيمن قتل. وبلغ عدة القتلى نحو عشرة آلاف، وبعث رءوسهم إلى البصرة، فأرسلت إلى السفاح