ومصداق ذلك ما نراه في كتب الملل والنحل عند ذكر خلافات الخوارج؛ فهم يبدأون رأيهم في التحكيم الذي كان بين علي ومعاوية في سذاجة، ويختلفون في القعدة الذين قعدوا عن قتال الأعداء مع قدرتهم هل هم كافرون أم مؤمنون؟ ويختلفون في المعاصي التي يكفر الإنسان بارتكابها. ويختلفون في أطفال المسلمين والكافرين، هل هم مسلمون أم كافرون؟ ونحو ذلك من المسائل الدينية التي تفلسف، واختلافهم في هذا ساذج بسيط. خطب عبد الجبار إلى ثعلبة ابنته، وكلاهما من الخوارج، فسأله ثعلبة أن يمهرها أربعة آلاف درهم، فأرسل الخاطب إلى أم البنت مع امرأة يقال لها أم سعيد، يسأل هل بلغت ابنتهم أم لا (لأنه لا يرى الابن أو البنت يسلم حتى يبلغ)، وقال: إن كانت قد بلغت وأقرت بالإسلام لم أبال ما أمهرتها؛ فلما بلغتها أم سعيد ذلك، قالت: ابنتي مسلمة بلغت أم لم تبلغ، فاختلف الخاطب وأبو البنت وأمها، وتدخل عبد الكريم بن عجرد من رؤساء الخوارج في الأمر فزادهم خلافا، وبرئ بعضهم من بعض على ذلك.
3
نعم تروي هذه الكتب عن بعض الفرق الخوارج أنهم بحثوا في القدر خيره وشره، وإثبات الفعل للعبد، وإثبات الاستطاعة قبل الفعل ونحو ذلك، ولكن هذه المباحث لم تكن من نفسها، وإنما استعارتها من المعتزلة.
ومن أكبر مظاهر بساطتهم وعدم تفلسفهم أن الناظر فيما روي لنا من جدلهم مناظراتهم يرى أنهم التزموا حرفية الكتاب والسنة، ولم يتعمقوا في التأول، فلو أنهم عاشوا في العصر العباسي لكانوا من أهل الظاهر الذين لا يقولون بقياس ويرون إتباع ظواهر النصوص من غير تأويل. وقد أدى تمسك الخوارج بظواهر النصوص إلى سخافات، فكان منهم من يرى أن رجلا لو أكل من مال يتيم فلسين وجبت له النار لقوله تعالى:
إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ، ولو قتل اليتيم أو بقر بطنه لم تجب له النار، لأن الله لم ينص على ذلك؛ ومنهم من استحل دماء أطفال المشركين، ولم يستحلوا أكل ثمرة بغير ثمنها؛
4
ومنهم من كان يقتل المسلم المخالف ولا يقتل الذمي؛ ويروي المبرد في الكامل أن واصل بن عطاء (زعيم المعتزلة) وقع هو وبعض أصحابه في يد الخوارج، فقال لأصحابه: اعتزلوا ودعوني وإياهم، وكانوا قد أشرفوا على العطب، فقالوا: شأنك؟ فخرج إليهم، فقالوا ما أنت وأصحابك؟ قال مشركون مستجيرون ليسمعوا كلام الله ويعرفوا حدوده. فقالوا: قد أجرناكم، قال: فعلمونا، فجعلوا يعلمونه أحكامهم، وجعل يقول: قد قبلت أنا ومن معي، فامضوا مصاحبين فإنكم إخواننا، قال: ليس ذلك لكم قال الله تبارك وتعالى:
وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ، فأبلغونا مأمننا. فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا: ذلك لكم. فساروا بأجمعهم حتى بلغوهم المأمن.
5
ويقتل عبد الرحمن بن ملجم علي بن أبي طالب، ثم يظل يقرأ القرآن ويرى أنه تقرب بعمله إلى الله، فإذا أريد قطع لسانه جزع، ويقال له: لم تجزع ؟ فيقول: أكره أن أكون في الدنيا مواتا لا أذكر الله! إلخ إلخ.
ثم إن المذاهب الأخرى التي تفلسفت كالاعتزال والتشيع إنما استمدت فلسفتها العميقة من العصر العباسي، فقد كان جوه جوا تشيع فيه الفلسفة من قصور الخلفاء، ومن اليهود والنصارى، ومن الفرس، ومن الكتب المترجمة، ومن الأطباء، ومن الجدل والمناظرة؛ فكانت كل فرقة تأخذ منه بقدر استعدادها، وبالقدر الذي يتفق وأصولها. وقد جاءت الدولة العباسية والخوارج في أخريات أيامهم، فقد أنهكوا الدولة الأموية وأنهكتهم، ونالوا منها ونالت منهم؛ حتى إذا أعقبهم العباسيون كان الخوارج في حالة تشبه الاحتضار. وحركاتهم التي أتوا بها في العهد العباسي تشبه حركة المذبوح، فلم يتح - من أجل هذا - للمذهب الخارجي فرصة أن يتفلسف.