فهم بهذا على النقيض من الشيعة في أمرين أساسيين: (1)
فبينا يقدس الشيعة عليا يكفره الخوارج، ويرون عبد الرحمن بن ملجم - قاتله - من خير البرية، ويقول أحدهم وهو عمران بن حطان:
يا ضربة من منيب ما أراد بها
إلا ليبلغ عند العرش رضوانا
إني لأذكره يوما فأحسبه
أوفى البرية عند الله ميزانا (2)
وبينما يعد الشيعة من أصولهم التقية، يعد الخوارج من أصولهم الخروج على السلطان الجائر في غير مواربة، ومن غير نظر إلى قوة الخارج وقوة الإمام.
وهم يخالفون المرجئة لأن الخوارج تؤلف جبهة معارضة وتقاتل الأمويين والعباسيين، والمرجئة يكونون جماعة حياد ومسالمة.
وهم أشد من المعتزلة، إذ يعدون مرتكب الكبيرة كافرا، على حين أن المعتزلة تعده لا كافرا ولا مؤمنا، وهم أشد من المعتزلة أيضا في تمسكهم بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في غير هوادة ولا حسبان قوة وضعف.
هذه هي الأصول التي أجمعت عليها الخوارج، وإن كانوا قد تفرقوا نحو عشرين فرقة تختلف فيما بينها في الفروع لا في الأصول؛ مثال ذلك أن الأزارقة والصفرية تتفق في أن أصحاب الذنوب مشركون، ولكن الصفرية لا يرون قتل أطفال مخالفيهم ونسائهم، والأزارقة يرون ذلك؛ ومثل أن الأزارقة استحلت أموال مخالفيهم بكل حال؛ والعجاردة لا يرون أموال مخالفهم فيئا إلا بعد قتل صاحبه؛ ومنهم من يرى أن القتال لا يكون إلا مع إمام منهم، ومنهم من لا يرى اشتراط ذلك، وهكذا من التفاصيل والمسائل الجزئية.
وألمع فكرة لهم رأيهم في الخلافة، وأنه إن كان لابد منها فأصلح الناس لها أحق بها، قرشيا كان أو غير قرشي، عربيا أو غير عربي؛ فليس عندهم فكرة أن الخليفة معين من قبل النبي صلى الله عليه وسلم كما تقول الشيعة، ولا هناك نظام الوراثة وتفويض الخليفة الأمر لمن يليه كما كان الشأن في عهد الأمويين والعباسيين.
ثم إذا انتخب الخليفة وتمت البيعة له، وسار سيرة لا تتفق ومصلحة المسلمين بأن جار و ظلم وجب عزله، فإن اعتزل وإلا قوتل حتى يقتل.
لقد كان أكثر من اعتنق المذهب الخارجي في أول الأمر عربا سكنوا البصرة والكوفة بعد فتوح عمر، وكانت تغلب على أكثرهم البداوة، وكأن كثير منهم من بني تميم، ثم رأينا أن بعض الموالي دخل في عقيدتهم؛ ولعل السبب في دخولهم أنهم اشتركوا مع الخوارج في بعض الأمويين واعتقادهم بعدم صلاحيتهم ووجوب الخروج عليهم حتى تزول دولتهم.
ومع دخول بعض الموالي كان المذهب الخارجي مصبوغا إلى درجة كبيرة بالصبغة البدوية في محاسنها ومساويها، فهم كثيرو الخلاف على الرؤساء، كثيرو التفرق شيعا وأحزابا، محدودو النظر، ضيقوا الفكر في نظرهم إلى مخالفيهم؛ وهم مع ذلك شجعان إلى أقصى حدود الشجاعة، صرحاء في أقوالهم وأعمالهم، أسهل شيء عليهم أن يبيعوا نفوسهم لعقيدتهم، يهزأون بما يقول الشيعة من تقية، ويحتقرون من باعوا آراءهم وضمائرهم للخلفاء الأمويين طمعا في المال والجاه، ثم هم لغلبة بداوتهم أبعد عن التطور الديني والعلمي والاجتماعي؛ فدينهم تغلب عليه البساطة الأولى؛ وهم فيما عدا شذوذهم في بعض عقائدهم يمثلون الإسلام الأول على فطرته قبل أن تدخل فيه تعاليم من الأمم الأخرى، والديانات الأخرى، والتقاليد والنزعات من أهل الملل والنحل التي دخلت في الإسلام بعد. وظل إيمانهم إيمان قلب لا إيمان علم؛ وظلت حياتهم الاجتماعية - في معيشتهم، ونظرتهم للحياة، وحروبهم، ونحو ذلك - حياة بسيطة بدوية لم تتغير كثيرا بتغير الزمان؛ فهم يذكروننا بالوهابيين الآن في بساطتهم وإن اختلفت تعاليمهم.
من أجل ذلك لم يكن ينتظر منهم أن يبحثوا في صفات الله، هل هي عين الذات أو غيرها، وأن الله يرى بالأبصار أو لا يرى، كما فعل المعتزلة؛ لأنها نظرات فلسفية أبعد ما تكون عن طبيعة البداوة، ولا ينتظر منهم أن يقدسوا أئمتهم كما تفعل الشيعة، لأنهم إنما كانوا ينظرون إلى إمامهم كما كان ينظر العرب الأولون إلى شيخ القبيلة.