وكل ما عثرت عليه قطع قليلة توضح مذهب الإرجاء كقصيدة ثابت قطنة، وقد ذكرناها في فجر الإسلام، أو قطع ترد على المرجئة كالذي روى الأغاني
8
من أن عون بن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كان مرجئا ثم عدل عن الإرجاء فقال:
فأول ما أفارق غير شك
أفارق ما يقول المرجئونا
وقالوا مؤمن من آل جور
وليس المؤمنون بجائرينا
9
وقالوا مؤمن دمه حلال
وقد حرمت دماء المؤمنينا
10
ونحو هذا من الجمل والأبيات القصيرة القليلة.
ومع هذا يظهر لي أن هناك بابا واسعا من أبواب الأدب - وخصوصا في العصر العباسي - تأثر تأثرا كبيرا بالإرجاء، وهو باب عفو الله عن ذنوب العاصين، فقد كان المعتزلة يرون أن الكبيرة تستحق العقوبة حتما ما لم يتب، وأن من مات عاصيا مرتكبا للكبيرة لابد في النار، وقد كتب الله على نفسه ذلك فلا يعفو؛ والمرجئة تجيز احتمال عفو الله حتى مع عدم التوبة، ومع الإكثار من المعاصي. فلما أفرط كثير من شعراء الدولة العباسية في اللهو، وأسرفوا في اللذة من خمر ونساء وغلمان وما إليها، ركنوا إلى عفو الله على مذهب الإرجاء يأملونه ويركنون إليه، وفتحوا في ذلك بابا واسعا من أبواب الأدب، ترى مثلا منه وضحا جليا في شعر أبي نواس، وربما كان خير مثل لذلك قوله يستهزئ بالنظام ومذهبه في الاعتزال، ويحبذ الإرجاء ورأيه في العفو، ويقول:
فقل لمن يدعي في العلم فلسفة
حفظت شيئا وغابت عنك أشياء
لا تحظر العفو إن كنت امرأ حرجا
فأن حظركه في الدين إزراء
11
ويقول:
أيها الغافل المقيم على اللهو
ولا عذر في المقام لساه
لا بأعمالنا نطيق خلاصا
يوم تبدو السماء فوق الجباه
غير أني عل الإساءة والتفريط
راج لحسن عفو الإله
ويقول:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة
فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن
فبمن يلوذ ويستجير المجرم؟
أدعوك رب كما أمرت تضرعا
فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم؟
مالي إليك وسيلة إلا الرجا
وجميل عفوك ثم أني مسلم
فأي امرئ يقرأ هذه الأبيات ولا يرى فيها عنصر الإرجاء؟ وسار على هذا النمط كثير من الشعراء. ويطول بنا القول لو ذكرنا أقوالهم، فنكتفي بهذا القدر، ونقرر أن مذهب الإرجاء فتح بابا جديدا من أبواب الأدب، هو فلسفة العفو.
الفصل الرابع
| الخوارج1
يكاد يكون الأساس الذي يدور عليه مذهب الخوارج من الأساس الذي يدور عليه الإرجاء، أعني مسألة الكفر والإيمان.
قال في كتاب الفرق بين الفرق: «قد اختلفوا فيما يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها، فذكر الكعبي في مقالاته أن الذي يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها إكفار علي وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل وكل من رضي تحكيم الحكمين، والإكفار بارتكاب الذنوب. ووجوب الخروج على الإمام الجائر. وقال شيخنا أبو الحسن (الأشعري) الذي يجمعها إكفار علي وعثمان، وأصحاب الجمل والحكمين، ومن رضي بالتحكيم وصوب الحكمين أو أحدهما، ووجوب الخروج على السلطان الجائر».
2
والفرق بين رأي الكعبي ورأي الأشعري، أن الكعبي يحكم أنهم
مجمعون
على تكفير مرتكب الكبائر، والأشعري لم يوافقه على ذلك، لأن هذا هو رأي أغلبيتهم، لا محل إجماعهم، لأن النجدات من الخوارج لا يكفرون أصحاب الكبائر. وأما فيما عدا هذه النقطة فالكعبي والأشعري متفقان.
وترى من قولهما أن بحث الخوارج كبحث المرجئة يدور حول الكفر والإيمان، نظر إليه المرجئة نظرا واسعا رحيما، فأدخلوا في ساحة الإيمان كل مصدق؛ وأجازوا العفو عن كل عاص، وأرجأوا أصحاب الفتنة إلى الله يقضي بينهم، ونظر الخوارج إليه نظرا شديدا ضيقا، فلم يعدوا مؤمنا إلا من تحرز عن الكبائر، وخطأوا عثمان فيما فعله في سنيه الأخيرة فكفروه، وإلى علي وحزبه وخصومه وأحزابهم فأكفروهم، لأنهم - على الأقل - قبلوا التحكيم وكتاب الله واضح لا يقبل تحكيما. ثم قالوا إن الولاة الظلمة من معاوية وقومه من الأمويين كفرة، ويجب أن يقابل كفرهم وظلمهم وجورهم بالخروج عليهم جهارا.